شرح
وصدّق الصراط ، فالسمع ورد * فيه ، وأنّه من السيف أحَدّ
هذا ، مع اقتضائها حمل تلك الألفاظ على المعاني المجازيّة بعد انسلاخها عن
معانيها الحقيقيّة من غير موجب ولا سبب ، بعد ما عرفت من إمكان تجسّم
الأعراض في النشأة الأُخرويّة ، وانقدح لك فساد دعوى استحالته ولا أقلّ من
عدم قيام دليل عليها ، وقد عرفت أيضاً أنّ احتمال إمكان ذلك كاف في مثل
المقام ، وأنّ معه لا سبيل إلى الإنكار أو التأويل .
وبالجملة ، أنّ الواجب على كلّ مكلّف في كلّ تلك المأثورات الشرعيّة إنّما
هو ما عرفت ، من وجوب الانقياد والتسليم لما ثبت منه إجمالا ، والاعتقاد
الجزمي بصدقه وصحّته ، دون البحث عن حقيقته وكيفيّته ، وأنّ الأولى بل اللازم هو
السكوت عن كلّ ما لم يكلّفنا الشارع المقدّس بمعرفة كنهه وشؤونه .
وإنّ من ذلك معرفة أنّه هل ينصب لكلّ فرد من أفراد الخلائق ميزان خاصّ ؟
أو موازين عديدة مختصّة بكلٍّ منهم مختلفة باختلاف حسناته وسيّئاته في أفعاله
وأقواله ، وإصابته وخطائه في عقائده وضمائره ؟ كما يشير إليه ظواهر بعض الأدلّة ،
نظير قوله تعالى : ( فمن ثقلت موازينه ) ( 1 ) ( ومن خفّت موازينه ) ( 2 ) ( ونضع
الموازين القسط ) ( 3 ) .
أو أنّه يُنصب للجميع ميزانٌ واحدٌ مشتركٌ بين الكلّ ، كما ربما يستظهر ذلك
من بعض آخر منها ، نظير قوله تعالى : ( والوزن يومئذ الحقّ ) ( 4 ) .
فليس علينا في كلّ ذلك إلاّ الإذعان بعدم العلم ، وإيكال معرفة حقائقها إلى
الله تعالى وإلى رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخلفائه ( عليهم السلام ) .
« وصدّق الصراط » أيضاً على نحو الإجمال « فالسمع » كتاباً وسنّةً قد « ورد »
بذلك متواتراً ، فلا ريب في ثبوته وصحّته ، ولذلك اتّفقت على ذلك كلمة المسلمين ،
هامش
( 1 و 2 و 4 ) الأعراف : 8 و 9 .
( 3 ) الأنبياء : 47 .