وبالكتاب نطق الكتابُ * وأهلُه ، ومثله الحساب
شرح
إلى القيام بغيرها ، بحيث لا يمكنها الاستقلال في وجودها ، ولا الاستغناء عمّا
قامت به . وأُخرى بخلاف ذلك ، بحيث لا توجد إلاّ مستقلّة بنفسها ، مستغنية في
وجودها عن غيرها .
ألا ترى مثلا ماهيّة الإنسان أنّها في عالم التصوّر لا توجد في الذهن إلاّ قائمة
بالنفس ، ولا يمكن استغناؤها عنها حينئذ ، ولا يعقل استقلالها بالوجود فيه ، ولكنّها
في ظرف الوجود خارجاً لا تكون إلاّ مستقلّة في الوجود ، مستغنية في تحقّقها عن
تصوّرها في الذهن ، وعن قيامها بالنفس ، فهي على وحدتها الحقيقيّة تراها مختلفة
في ظرف الوجود .
وعليه ، فلا مانع بحكم العقل من تجسّم نفس طاعة العباد ومعاصيهم ، مع كونها
أعراضاً لا يمكن استقلالها في الوجود الخارجي ، ولا يعقل استغناؤها عمّن تقوم
به في هذه النشأة الدنيويّة ، ولا وحشة في دعوى استقلالها في نشأتي البرزخ
والقيامة ، ولا استحالة في اختلافها في ذلك باختلاف محالّ وجودها وتعدّد أنحاء
تحقّقها ، بحيث يكون الوجود في هذه النشأة بالإضافة إلى الوجود في النشأة
الآتية على سبيل نسبة وجود الجوهر في الذهن إلى وجوده في الخارج ، وأنّ
إمكان ذلك واحتماله كاف في المقام للإذعان به ، والخضوع للمُخبر الصادق عنه .
وقد عرفت أنّ الاعتراض على تلك المأثورات الصحيحة لم ينشأ إلاّ من قصور
الفهم ، ومجرّد الاستغراب ، ودعوى الاستحالة بلا دليل قاطع ، ولا برهان ساطع ،
وأنّه بعد ثبوت الإمكان لا موقع للإنكار ، ولا مجال للتكذيب ، فافهم واغتنم .
وبذلك كلّه يتّضح لك فساد سائر ما اعترض على كثير ممّا ورد في الشريعة
المطهّرة الإسلاميّة من حوادث عالم البرزخ ، ووقائع يوم القيامة الكبرى .
« و » منها التصريح « بالكتاب » ووجود صحيفة الأعمال لكلّ فرد من العباد ،
وأنّ لكلّ منهم صحيفة على يمينه تكتب فيها حسناته ، وصحيفة على شماله تكتب