شرح
وأمّا التفصيلي : فملخّص القول في بيانه : أنّ الإنسان على ما عرفت مركّب في
نشأته الدنيويّة من جسم عُنصريّ مادّيّ ، وروح لطيف مجرّد جوهري سار في
جميع أجزائه الظاهريّة والباطنيّة ، مكنون في كافّة جوارحه المرئيّة وجوانحه
المستورة ، متّحد معها اتّحاد الصور النوعيّة مع موادّها ، وأنّه بعد انفصاله عن الجسد
بالموت يتعلّق بقالب آخر برزخي مجرّد خفيف ، نظير قوالب الجنّ والمَلَك ،
وعندئذ يليق لمشاهدة تلك القوالب المجرّدة وسائر المجرّدات نظائرها ، كقوالب
سائر الأموات الّتي لم يمكن رؤيتها بالبصر المادّي ، لما بينه وبينها من المغائرة
التامّة ، ولكن بعد خروجه عن المادّي وصيرورته مجرّداً على نحو خلقته قبل
خلقة المادّة المركّبة معه - على ما ورد في أحاديث أهل بيت العصمة ( عليهم السلام ) -
يشاهد حينئذ تلك المجرّدات من أمثاله ، كما كان يشاهد الماديّات ببصره المادّي
في نشأته الدنيويّة .
وقد جعل الله تعالى النوم في الحياة الدنيويّة مَثَلا ومسطرةً عن تلك النشأة
البرزخيّة ، فترى النائم يرى في منامه من المجرّدات ما لا يراه في يقظته ، وينال
حينئذ من الخِفّة وسُرعة السير وإدراك بعض الأُمور الغيبيّة ما لا يناله حال إفاقته ،
وربما يصيبه عندئذ ما يوجب ألمه وحزنه أو فرحه وسروره مع عدم ظهور شيء
من آثار تلك الأُمور في جسده المادّي ، وعدم معرفة أحد من أصحابه المحتفين
به ، المجتمعين حول بدنه العنصري بشيء من كلّ ما رآه أو ناله أو أصابه في منامه ،
ولا سماعهم لما تكلّم به ، ولا إحساسهم لشيء ممّا أتى به أو ما نزل به أصلا .
هذا ، مع أنّ خروج نفسه عن بدنه حين نومه وغفلته لم يكن خروجاً كاملا ،
ولا انقطاعاً عنه انقطاعاً باتّاً أبديّاً ، ولكنّه بالموت يحصل لنفسه التجرّد التامّ
والانقطاع الكامل عن المادّيات ، وبذلك يكون أقوى رؤيةً وأشدّ إدراكاً لتلك
المخفيّات عن الأبصار المادّية ، ويكون أخفّ حركةً وأسرع سيراً ممّا كان منه في
حال نومه وغفلته ، وليس النوم إلاّ مثلاً منه ، ومشابهاً له في الجملة على ما عرفت ،
كما ورد ذلك عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " إنّكم تموتون كما تنامون ، وتبعثون كما