تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
شرح
وأمّا التفصيلي : فملخّص القول في بيانه : أنّ الإنسان على ما عرفت مركّب في نشأته الدنيويّة من جسم عُنصريّ مادّيّ ، وروح لطيف مجرّد جوهري سار في جميع أجزائه الظاهريّة والباطنيّة ، مكنون في كافّة جوارحه المرئيّة وجوانحه المستورة ، متّحد معها اتّحاد الصور النوعيّة مع موادّها ، وأنّه بعد انفصاله عن الجسد بالموت يتعلّق بقالب آخر برزخي مجرّد خفيف ، نظير قوالب الجنّ والمَلَك ، وعندئذ يليق لمشاهدة تلك القوالب المجرّدة وسائر المجرّدات نظائرها ، كقوالب سائر الأموات الّتي لم يمكن رؤيتها بالبصر المادّي ، لما بينه وبينها من المغائرة التامّة ، ولكن بعد خروجه عن المادّي وصيرورته مجرّداً على نحو خلقته قبل خلقة المادّة المركّبة معه - على ما ورد في أحاديث أهل بيت العصمة ( عليهم السلام ) - يشاهد حينئذ تلك المجرّدات من أمثاله ، كما كان يشاهد الماديّات ببصره المادّي في نشأته الدنيويّة . وقد جعل الله تعالى النوم في الحياة الدنيويّة مَثَلا ومسطرةً عن تلك النشأة البرزخيّة ، فترى النائم يرى في منامه من المجرّدات ما لا يراه في يقظته ، وينال حينئذ من الخِفّة وسُرعة السير وإدراك بعض الأُمور الغيبيّة ما لا يناله حال إفاقته ، وربما يصيبه عندئذ ما يوجب ألمه وحزنه أو فرحه وسروره مع عدم ظهور شيء من آثار تلك الأُمور في جسده المادّي ، وعدم معرفة أحد من أصحابه المحتفين به ، المجتمعين حول بدنه العنصري بشيء من كلّ ما رآه أو ناله أو أصابه في منامه ، ولا سماعهم لما تكلّم به ، ولا إحساسهم لشيء ممّا أتى به أو ما نزل به أصلا . هذا ، مع أنّ خروج نفسه عن بدنه حين نومه وغفلته لم يكن خروجاً كاملا ، ولا انقطاعاً عنه انقطاعاً باتّاً أبديّاً ، ولكنّه بالموت يحصل لنفسه التجرّد التامّ والانقطاع الكامل عن المادّيات ، وبذلك يكون أقوى رؤيةً وأشدّ إدراكاً لتلك المخفيّات عن الأبصار المادّية ، ويكون أخفّ حركةً وأسرع سيراً ممّا كان منه في حال نومه وغفلته ، وليس النوم إلاّ مثلاً منه ، ومشابهاً له في الجملة على ما عرفت ، كما ورد ذلك عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " إنّكم تموتون كما تنامون ، وتبعثون كما
نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 252 | السيد حسن الحسيني اللواساني / السيد ابراهيم اللواساني