وفي النشور ما هو المأثور * صدقٌ فلا يريبك القُصور
شرح
فقد انقدح لك بما عرفت أنّ تلك الاعتراضات الفاسدة على ذلك كلّه وتلك
الأوهام الواهية لم تنشأ إلاّ من قصور الفهم ، وتوغّل المعترض بها في عالم
المادّيات ، ثمّ توهّمه عود الأرواح في عالم البرزخ إلى الأجساد العنصريّة المادّية .
ولكنّه زعم باطل ، وتوهّم فاسد ، فإنّا لا نقول بذلك ، بل إنّما نقول : إنّ الأرواح
لا تعود إلى الأجسام العنصريّة إلاّ بعد انتهاء عالم البرزخ ، وحلول ميعاد القيامة
العظمى ، وحشر جميع الخلائق في العالم الأبدي والطامّة الكبرى ، فيومئذ يعود
الروح من كلّ أحد إلى جسده المادّي بأمر الله تعالى ، ونفوذ قدرته الكاملة ،
وترجع النفوس المجرّدة مركّبة بموادّها العنصريّة بعين ما كانوا في النشأة الدنيويّة ،
وأنّ ذلك العالم الأُخروي الأبدي مبائنٌ للعالمين المتقدّمين عليه ، وربما يعدّ
العالمين الدنيويّة والبرزخيّة عالماً واحداً باعتبار احتمال كون سطح الأرض
وجوفها سيّان في كونهما جزءين لعالم واحد ، فتأمّل جيّداً تعرف أنّ عالم الوجود
لا يختصّ بعالم المادّة .
« و » عليه ، فلا تشكّ في صحّة ما ورد عن المعصومين ( عليهم السلام ) « في » بيان وقائع
« النشور » واعلم قطعيّاً أنّ « ما هو المأثور » عنهم ( عليهم السلام ) من وقائع البرزخ والقيامة
كلّه « صدق » صحيح « فلا يريبك القصور » في الفهم ، وإيّاك أن تشكّ في شيء منها ،
اغتراراً بتلك التشكيكات الواهية ، والخرافات الفاسدة ، وإنّ أهمّ ما أنكره أُولئك
الملاحدة بمجرّد الاستغراب من غير إقامة دليل ولا برهان إنّما هو حديث تجسّم
الأعمال ، وقد عرفت نقض ما اعترضوا عليه ، وبيان فساده إجمالا وتفصيلا .
ومن الممكن أن نبيّن فساده في المقام أيضاً بوجه آخر ، بأن نقول : إنّ ذلك
بنفسه أمرٌ ممكنٌ معقول ، لا وحشة في الالتزام به .
وذلك لأنّه ربما تكون الماهيّة الواحدة على وحدتها مختلفة في أنحاء
وجودها ، من حيث الاستقلال بنفسها وعدمه ، فتراها أحياناً مضطرّة في الوجود