شرح
ولا يجوز لديهم التسرّع إلى تكذيب ما ورد عنه ، ولا سيّما إذا كانت الوسائط
الناقلة عنه ثقات مأمونين من الكذب والافتراء ، وخصوصاً إذا تعدّدت
الإخبارات عنه بطرق شتّى ، ووسائط مختلفة ، حتّى بلغ حدّ الاستفاضة أو التواتر .
فلا شبهة في أنّه لا يشكّ عاقل حينئذ في صدق الخبر وصدوره من المُخبر
الصادق ، ولا ريب في حصول اليقين والقطع بصحّته ، ولا أقلّ من طمأنينة النفس ،
وكلّ ذلك ممّا هو حجّة عندهم ، ويعوّل عليه لديهم ، من غير خلاف ولا نكير ، وإن
كان الأوّلان منهما يُسمّى عندهم بالعلم الوجداني ، وتسمّى الطمأنينة بالعلم العادي ،
فيخضعون له ، ويحكمون بصحّته ، وربما يحكمون على الشاكّ فيه فضلا عن المنكر
له بالجنون وسخافة الرأي ولياقة الاستهزاء ، ويتلقّون الخبر عندئذ بأحسن قبول
وإن عجزوا عن إدراك حقيقته ومعناه ، ولم تنل أفهامهم كنه المقصد منه ومغزاه ،
فيصدّقونه على نحو الإجمال من غير فحص عن مرام المُخبر بوقوعه في المستقبل ،
ولا سؤال عن حاقّه وكيفيّته فيما لم يوجب ذلك عملا ولا تكليفاً في الوقت
الحاضر على العبد الموجّه إليه الخطاب ، ولم يكلّفه المُخبر بمعرفة الشيء المُخبر
عنه بحقيقته ، بل لم يكلّفه إلاّ بالاعتقاد بذلك بجنانه وضميره ، دون العمل الخارجي
بجوارحه ، واكتفى في ذلك بالمعرفة الإجماليّة كما فيما نحن فيه ، من إخبارات
ذلك المُخبر الصادق المعصوم بوقائع البرزخ والقيامة الّتي اكتفي فيها بذلك .
فإنّ المستفاد من أدلّتها ليس إلاّ وجوب الاعتقاد الجزمي بصحّتها ، بل الظاهر
من كثير من الأحاديث المشيرة إليها وإلى نظائرها : المنع عن الفحص والسؤال عن
حقائقها ، نحو قولهم ( عليهم السلام ) : " إنّ من حقّ الله على العباد أن يقولوا ما يعلمون ، ويكفّوا
عمّا لا يعلمون " ( 1 ) " أُسكتوا عمّا سكت الله عنه " ( 2 ) " ولا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا
لا تعلمون إلاّ الكفّ عنه والتثبّت والردّ إلى أئمّة الهدى " ( 3 ) ونظائر ذلك .
هامش
( 1 ) الكافي 1 : 50 / 12 ، الوسائل 27 : 24 أبواب صفات القاضي باب 4 ح 10 .
( 2 ) عوالي اللآلي 3 : 165 / 61 .
( 3 ) المحاسن 1 : 216 / 104 ، الكافي 1 : 50 / 10 ، الوسائل 27 : 25 أبواب صفات القاضي باب
4 ح 14 .