شرح
وكذا التعذيب بصنوف العذاب ، وليس كلّ ذلك إلاّ من خواصّ الأجسام
الكثيفة ، وكيف يتصوّر عروضها للأرواح المجرّدة ؟
رابعها : ما اعترضوا به أيضاً على ما ورد في الرضّع الموتى من أطفال المؤمنين ،
من أنّهم يتغذّون بعد الموت من أشجار الجنّة ، ويسقون الحليب من أغصان متدلّية
فيها ، تشبه مراضع أُمّهاتهم ، ويتولّى تربيتهم إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) وزوجته سارة ، أو
الصدّيقة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، فكيف يكون ذلك مع ما ذُكر ، من أنّها أرواح مجرّدة
مستغنية عن الطعام والشراب ؟
ثمّ ما معنى تغذيتهم وتربيتهم مع ضرورة أنّ تلك النشأة ليس فيها نموّ
ولا تربية ؟ ثمّ كيف اختصّ ذلك بالثلاثة الأطهار المذكورين ، دون غيرهم من
الأوّلين والآخرين ؟
خامسها : ما استغربوه من ضغطة القبر ونهش العقارب والحيّات وسائر
صنوف العذاب للأموات ، هل هي للأجساد البالية ، أو الأرواح المجرّدة ؟ وكلّ من
الأمرين لا يخلو من البُعد أو المحذور كما عرفت ، فكيف يمكن الخضوع لما ورد
في الأحاديث من ذلك وأمثاله ؟
إلى غير ذلك من هفواتهم الواهية ، وتقوّلاتهم الفاسدة .
وأنّ الجواب عنها بأسرها من وجهين : إجمالي ، وتفصيلي .
أمّا الإجمالي : فهو ما أشرنا إليه ، من أنّ الخبر الصادر عمّن علم صدقه قطعيّاً ،
ولا سيّما بعد الإذعان بنبوّته وعدم سهوه ونسيانه في شيء ممّا يحكم به أو يُخبر
عنه ، والقطع أيضاً بأنّه لا ينطق عن الهوى ، ولا عن شهوة نفسه ، وإنّ كلّ ما يأتي به
إنشاءً أو خبراً فليس إلاّ وحياً يُوحى إليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، مع كون كافّة ما أُخبر به أمراً
معقولا غير مناف للضروري من حكم العقل .
فمثل ذلك الخبر يجب تصديقه والخضوع له بضرورة السيرة المستمرّة على
ذلك من عقلاء الملل كلّها ، الكاشفة عن إجماعهم عليه بحكم العقل الباتّ ،