فإنّ كلّ بدن يعود * بجزئه ، وجزؤه محدود
شرح
الزائل أو المتحلّل ليس إلاّ فواضل تلك المادّة وزوائدها ، وأنّه لا يغيّرها « تخلّف
الفضول » عنها ، ولا يؤثّر ذلك فيها شيء أصلا ، فهي باقية على ما هي عليه بلا تغيير
أصلا وإن فرض دخولها في جوف شخص آخر ، فإنّها لا تصير جزءاً منه أبداً ، بل
تكون مبائناً للأجزاء الأصليّة من الآكل وإن اختلطا ، ثمّ إذا كان ميعاد المعاد
رجعت الصورة الأصليّة بهيأتها الأوّلية بعد تغيّراتها الكثيرة ، وائتلفت مع مادّتها
المكنوزة في علمه تعالى المحفوظة في محلّها حتّى يصيرا شخصاً مرئيّاً مؤلّفاً مع
نفسه البسيطة ، مثل ما كان في الدنيا عيناً « فإنّ كلّ بدن » عنصريّ « يعود » مؤتلفاً
« بجزئه » الأصلي الّذي هو مادّته « وجزؤه » ذلك « محدود » معيّن في علمه تعالى
أينما انتقل من زمان أو مكان عارياً عن الزيادة والنقصان .
وبذلك كلّه يتّضح لك أيضاً نقض الشبهة الثانية ، وهي محذور عود جميع
الفضلات الموجب لعظم الجثّة أو عود بعضها الموجب أحياناً لإثابة العاصي أو
تعذيب المطيع أو إضاعة حقّه ، فإنّ ذلك كلّه إنّما يلزم لو كانت الطاعة أو المعصية
صادرة من تلك الفضلات المتحلّلة أو المستقيمة عند الموت ، وقد تبيّن لك ممّا
ذكرنا أنّها بأجمعها أجنبيّة عن ذلك أصلا ورأساً ، وأنّ المكلّف بالأوامر والنواهي
ليس إلاّ المادّة الأصليّة بعد ائتلافها مع النفس المجرّدة ، وأنّها هي الّتي تُعاد يوم
المعاد بما كانت عليه في الدنيا ، من الهيئة والصورة اللحميّة والعظميّة وأمثالهما ، من
غير أن تكون الهيئة بنفسها متعلّقة للأوامر والنواهي الشرعيّة ، أو أنّه ينسب إليها
الطاعة أو المعصية .
وعليه ، فلم تكن الهيئات المتبادلة في الحياة الدنيويّة وكذا ما تحلّل من
الجسم وانفصل عنه بصورة الأوساخ وأمثالها إلاّ فضولا وزوائد تفنى شيئاً فشيئاً ،
ولا إعادة لها أصلا ، ولا موقع لشيء من تلك الاعتراضات أبداً .