تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
وشبهةُ الآكل والمأكول * يدفعها تخلّف الفُضول
شرح
وحينئذ فلا محيص عن القول بامتناع إعادة الأجزاء العنصريّة ، ولابدّ من القول بوجود جسد خفيف مندكٍّ في البدن العنصريّ المشاهد المرئيّ ؛ تصحيحاً لما ثبت من إعادة الأجسام . هذا ، ولكن لا يذهب عليك فساد كلّ ذلك من أصله وأساسه « و » أنّ « شبهة الآكل والمأكول » إنّما نشأت من الخلط المفرط بين الأجزاء الأصليّة المعبّر عنها بالمادّة ، وبين العضلات الظاهريّة العنصريّة . بيان ذلك : أنّه لا شبهة في أنّ الجسد العنصري المشاهد بالعيان له مادّةٌ أصليّة ، هي منشأ نموّه وكبر جثّته شيئاً فشيئاً في جميع صوره وهيئاته المختلفة والمصوّرة ، يوماً بصورة المنيّ ، ثمّ بصورة العَلَقة والمُضغة ، وهكذا إلى أن يصير جسداً مرئيّاً ، وذلك نظير الحبّة من القمح وغيره المزروعة تحت التراب الّتي تصير منشئاً لأغصان طويلة ، وأشجار عظيمة ، ولا ريب في أنّ تلك المادّة موجودةٌ منتقلةٌ في جميع تلك الصور بشهادة العقل والعقلاء . ألا ترى أنّه لو جنى زيد أيّام شبوبيّته جنايةً موجبةً للقصاص ، ولم يُقتصّ منه إلاّ بعد شيخوخيّته ، حكم الكلّ بأنّ القصاص المذكور لم يكن إلاّ عدلا وقع في محلّه ، ولا يتفوّه أحدٌ بكون المقتصّ منه بعد تلك المدّة الطويلة غير الجاني باعتبار تغيّر صورته أو تبدّل هيئته ، بل لو تفوّه بذلك أحدٌ لحكموا عليه بالجنون والخبط ، وذلك يكشف عن اتّفاق العقلاء على بقاء مادّته الأصليّة الموجبة لتشخّصه ووجوده الخارجي وإن تبادلت صورةً . وعليه ، فلا شبهة في أنّ تلك المادّة باقية ثابتة ، وإلاّ لزم استحالة القصاص من الجاني ، واستحال أيضاً إيصال الثواب إلى مستحقّه بعد انقضاء مدّة تغيّرت فيها أجزاء بدنه ، وهو كما ترى خلاف ما تشهد به الفطرة ، كما لا شبهة أيضاً في أنّها غير النفس المجرّدة المشار إليها بالضمائر على ما تقدّم بيانه ، وذلك من أوضح