وشبهةُ الآكل والمأكول * يدفعها تخلّف الفُضول
شرح
وحينئذ فلا محيص عن القول بامتناع إعادة الأجزاء العنصريّة ، ولابدّ من
القول بوجود جسد خفيف مندكٍّ في البدن العنصريّ المشاهد المرئيّ ؛ تصحيحاً لما
ثبت من إعادة الأجسام .
هذا ، ولكن لا يذهب عليك فساد كلّ ذلك من أصله وأساسه « و » أنّ « شبهة
الآكل والمأكول » إنّما نشأت من الخلط المفرط بين الأجزاء الأصليّة المعبّر عنها
بالمادّة ، وبين العضلات الظاهريّة العنصريّة .
بيان ذلك : أنّه لا شبهة في أنّ الجسد العنصري المشاهد بالعيان له مادّةٌ أصليّة ،
هي منشأ نموّه وكبر جثّته شيئاً فشيئاً في جميع صوره وهيئاته المختلفة والمصوّرة ،
يوماً بصورة المنيّ ، ثمّ بصورة العَلَقة والمُضغة ، وهكذا إلى أن يصير جسداً مرئيّاً ،
وذلك نظير الحبّة من القمح وغيره المزروعة تحت التراب الّتي تصير منشئاً
لأغصان طويلة ، وأشجار عظيمة ، ولا ريب في أنّ تلك المادّة موجودةٌ منتقلةٌ في
جميع تلك الصور بشهادة العقل والعقلاء . ألا ترى أنّه لو جنى زيد أيّام شبوبيّته
جنايةً موجبةً للقصاص ، ولم يُقتصّ منه إلاّ بعد شيخوخيّته ، حكم الكلّ بأنّ
القصاص المذكور لم يكن إلاّ عدلا وقع في محلّه ، ولا يتفوّه أحدٌ بكون المقتصّ
منه بعد تلك المدّة الطويلة غير الجاني باعتبار تغيّر صورته أو تبدّل هيئته ، بل لو
تفوّه بذلك أحدٌ لحكموا عليه بالجنون والخبط ، وذلك يكشف عن اتّفاق العقلاء
على بقاء مادّته الأصليّة الموجبة لتشخّصه ووجوده الخارجي وإن تبادلت صورةً .
وعليه ، فلا شبهة في أنّ تلك المادّة باقية ثابتة ، وإلاّ لزم استحالة القصاص
من الجاني ، واستحال أيضاً إيصال الثواب إلى مستحقّه بعد انقضاء مدّة تغيّرت فيها
أجزاء بدنه ، وهو كما ترى خلاف ما تشهد به الفطرة ، كما لا شبهة أيضاً في أنّها غير
النفس المجرّدة المشار إليها بالضمائر على ما تقدّم بيانه ، وذلك من أوضح