شرح
الواضحات .
وعندئذ نقول : إنّه صحّ فيه أن يقال : إنّه هو هو بعينه باعتبار بقاء مادّته الأصليّة
فيه ، كما صحّ فيه أنّه غيره باعتبار تغيّر صورته المرئيّة ، وتبدّل أجزائه العنصريّة ،
وذلك نظير ما لو انكسر الكوز من الخزف مثلا ، ثمّ أُعيد بهيئة أُخرى غير هيئته
الأوّليّة ، فإنّه صحّ أن يقال فيه : إنّه نفس ما كان أوّلا حسب الحقيقة والمادّة ، كما
صحّ أن يقال : إنّه غيره حسب الهيئة والصورة .
كلّ ذلك بشهادة العرف ، وتصديق العقلاء ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( كلّما
نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ) ( 1 ) .
ثمّ لا يتوهّم أنّ ما ذُكر مساوق لما عرفت فساده ، من القول بوجود جسد
خفيف خلال الجسد العنصري المرئيّ ، وذلك لأنّه كم فرق واضح بين القولين بعد
ما عرفت ، من كون المدّعى في المقام هو بقاء الشيء المادّي ذي الأجزاء والذرّات
القابلة للنموّ ، دون ما ادّعاه الخصم من الجسم الجوهري الّذي لا يمكن فيه النموّ
ولا المشاهدة .
وإذ قد عرفت كلّ ذلك انقدح لك أنّ ما زاد على تلك المادّة الأصليّة الباقية
- وهي عوارض الجسد العنصري الظاهري وأجزاؤه المرئيّة من اللحم والعظم
والأعصاب والعروق - وكذا ما يتحلّل منها بمرور الأيّام ، ويسقط عنه مدّة حياته
من الفضلات - كالعرق والبول والغائط وأمثالها - ليس كلّ ذلك إلاّ فضولا وزوائد
على مادّته الأصليّة الباقية ، وأنّ زوالها بانفصالها عن الجسد ، وكذا تبدّل صورها
بصورة التراب والحجر وأمثالهما ، أو تحلّلها بصيرورتها جزءاً لبدن آكله : لا يوجب
زوال تلك الأجزاء الأصليّة ، ولا تحليل تلك المادّة السارية في جميع تلك الصور .
وبذلك كلّه يتّضح لك أنّ تلك الشبهة الفاسدة المعبّر عنها بشبهة الآكل
والمأكول ليست إلاّ مغالطة محضة ، وأنّه « يدفعها » بحذافيرها ما عرفت ، من أنّ
هامش
( 1 ) النساء : 56 .