تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
شرح
محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ( 1 ) . وتواترت به السنّة ، ونعوذ بالله من ذلك . وكم من عبيد بعكس ذلك ، فعاشوا دهراً طويلا في الكفر والشقاء وأنواع المعاصي ، ثمّ غيّروا وبدّلوا وتابوا عن كلّ ذلك ، ولم يخرجوا من الدنيا إلاّ صُلحاء أتقياء ، بل أخياراً أبراراً . وعندئذ يقال : إنّ الأجزاء العنصريّة الأخيرة المقارنة للموت على التقدير الأوّل - وهو تقدير كونها عاصية بعد دعوى اختصاص الإعادة بها ، دون الأجزاء السابقة المطيعة - لا يخلو أمرها من استحقاقها : إمّا الإثابة على طاعة غيرها في سابق الأيّام ، وهي الأجزاء القديمة الفانية على الفرض . وإمّا العقوبة على ما باشرته هي بأنفسها من المعاصي والكفر . ومن الواضح أنّ كلاّ منهما قبيح يمتنع صدوره منه تعالى . أمّا الأُولى : فلاستلزامها إيصال الحقّ لغير أهله ، وإثابة العاصي وتكريمه على عصيانه ، وحرمان المستحقّ لذلك عنه ، ولا شبهة في قبحه ومنافاته للعدل والحكمة ، مضافاً إلى منافاته لنصوص الكتاب والسنّة المستفيضة ، نظير قوله تعالى : ( إنّ الّذين آمنوا ثمّ كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) ( 2 ) . وأمثاله من الآيات الكثيرة والأحاديث المأثورة الدالّة على حبط أعمال المرتدّين بعد الإيمان ، وذهاب طاعاتهم القديمة وحسناتهم السابقة سدىً بعد اختيارهم الكفر ، وانقلابهم إلى الشقاوة بعد السعادة . وأمّا الثانية - وهي عقوبة الأجزاء والعضلات المتأخّرة العاصية وإدخالها نار جهنّم - فلاستلزامها بطلان أجر الأجزاء المتقدّمة المطيعة ، وذهاب أتعابها السابقة في سبيل الطاعة ضائعاً بسبب عصيان العضلات الأخيرة ، وذلك أيضاً قبيحٌ مناف للعدل والحكمة ، وتعالى ربّنا عن كلّ ذلك .
هامش
( 1 ) آل عمران : 144 . ( 2 ) النساء : 137 .