شرح
محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ( 1 ) . وتواترت به السنّة ، ونعوذ بالله
من ذلك . وكم من عبيد بعكس ذلك ، فعاشوا دهراً طويلا في الكفر والشقاء وأنواع
المعاصي ، ثمّ غيّروا وبدّلوا وتابوا عن كلّ ذلك ، ولم يخرجوا من الدنيا إلاّ صُلحاء
أتقياء ، بل أخياراً أبراراً .
وعندئذ يقال : إنّ الأجزاء العنصريّة الأخيرة المقارنة للموت على التقدير
الأوّل - وهو تقدير كونها عاصية بعد دعوى اختصاص الإعادة بها ، دون الأجزاء
السابقة المطيعة - لا يخلو أمرها من استحقاقها : إمّا الإثابة على طاعة غيرها في
سابق الأيّام ، وهي الأجزاء القديمة الفانية على الفرض . وإمّا العقوبة على
ما باشرته هي بأنفسها من المعاصي والكفر .
ومن الواضح أنّ كلاّ منهما قبيح يمتنع صدوره منه تعالى .
أمّا الأُولى : فلاستلزامها إيصال الحقّ لغير أهله ، وإثابة العاصي وتكريمه
على عصيانه ، وحرمان المستحقّ لذلك عنه ، ولا شبهة في قبحه ومنافاته للعدل
والحكمة ، مضافاً إلى منافاته لنصوص الكتاب والسنّة المستفيضة ، نظير قوله
تعالى : ( إنّ الّذين آمنوا ثمّ كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفراً لم يكن الله
ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) ( 2 ) .
وأمثاله من الآيات الكثيرة والأحاديث المأثورة الدالّة على حبط أعمال
المرتدّين بعد الإيمان ، وذهاب طاعاتهم القديمة وحسناتهم السابقة سدىً بعد
اختيارهم الكفر ، وانقلابهم إلى الشقاوة بعد السعادة .
وأمّا الثانية - وهي عقوبة الأجزاء والعضلات المتأخّرة العاصية وإدخالها نار
جهنّم - فلاستلزامها بطلان أجر الأجزاء المتقدّمة المطيعة ، وذهاب أتعابها السابقة
في سبيل الطاعة ضائعاً بسبب عصيان العضلات الأخيرة ، وذلك أيضاً قبيحٌ مناف
للعدل والحكمة ، وتعالى ربّنا عن كلّ ذلك .
هامش
( 1 ) آل عمران : 144 .
( 2 ) النساء : 137 .