شرح
عرفت - تمّ في غيره أيضاً ، بعدم القول بالفصل ، أو لا أقلّ من القول بعود النفوس
مركّبة مع ما ذُكر ، من الأجساد الخفيفة المستورة في الأبدان المرئيّة العنصريّة ؛
تثبيتاً لما صحّ كتاباً وسنّةً من إعادة الأجسام ، وحينئذ فالمأثور الثابت فيهما من
ذلك لابدّ من حمله على ما ذكر ؛ جمعاً بين حكمي العقل والنقل .
وثانيهما : أنّه لو قيل بإعادة البدن العنصري ، فلابدّ حينئذ من القول بأحد
الأمرين على سبيل منع الخلوّ : إمّا إعادة كلّ ما صار جزءاً له ، من مبدأ حياته إلى
نهاية أجله ، حتّى الأجزاء الّتي انفصلت عنه طيلة أيّامه ، بالوسخ ، والعرق ،
والقذارات الخارجة منه ، وما انهضم من طعامه وشرابه ، واستخلفه الأجزاء
المتجدّدة المتبادلة بتجدّدهما ، وإمّا إعادة أجزائه الأخيرة المقارنة لموته خاصّةً ،
دون ما سبقها وانفصل عنه ، ومن الواضح أنّه لا يمكن المصير إلى شيء منهما .
أمّا الأُولى : فمضافاً إلى استلزامها عظم الجثّة المعادة عظماً مهولا قبيحاً
لا يظنّ الالتزام به مستلزمة محالا غير قابل للتصوّر والإمكان ، فإنّه لو فرض
صيرورة الجزء المنفصل من زيد - مثلا - بعد انقلابه تراباً ونباتاً جزءاً لعمرو - ولا
شبهة في إمكان ذلك - لا يعقل حينئذ إعادته جزءاً لكليهما ؛ لوضوح استحالته ،
ولا لأحدهما خاصّةً دون الآخر ؛ لأنّ ذلك مضافاً إلى كونه ترجيحاً بلا مرجّح
خُلفٌ واضح بعد تقدير إعادة كلٍّ منهما بجميع أجزائه ، حيث إنّ الفاقد لذلك الجزء
على تقدير إعادته لم يحشر كذلك .
وأمّا الثانية : فلاستحالتها أيضاً ولو من جهة كونها قبيحاً يمتنع صدور مثله عن
الربّ تعالى ، وذلك لأنّه لا شبهة في إمكان انقلاب العبد مدّة حياته من الطاعة إلى
المعصية وبالعكس ، بل لا شكّ في وقوع ذلك كثيراً ، فكم من عبد كان في أوائل
أيّامه صالحاً تقيّاً مؤمناً مطيعاً ولم يختم له بذلك ، وانقلب عمّا كان عليه عند انتهاء
أجله ، ولم يخرج من الدنيا إلاّ شقيّاً عاصياً أو كافراً مرتدّاً ، نظير كثير من صحابة
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وغيرهم على ما أُخبر عنهم في الكتاب بقوله تعالى : ( أفإن مات )