ولست أدري ما الّذي دعاه * لما تمجّ النفس من دعواه
شرح
رجع ذلك إلى المذهب الحقّ الصحيح ، وثبت المطلوب ، والحمد لله حينئذ على
حسن الوفاق ، ولولا ذلك ، فلا نتصوّر لتلك الدعوى ولا لشيء من وجوهها
ومحتملاتها - كما عرفت - معنىً معقولا ، ولا وجهاً صحيحاً .
« ولست أدري ما الّذي » ساق ذلك المدّعي الغبيّ إلى تلك الدعوى المستبشعة
الواهية ، و « دعاه » إلى اختياره « لما تمجّ النفس » وتشمئزّ « من » سماعه
و « دعواه » فضلا عن قبوله والتصديق به ، أو الإذعان بصحّته ؟
نعم إنّ الظاهر أنّ الّذي أوقعه في تلك الهوّة ( 1 ) العميقة المهلكة وأضلّه عن
الطريق القويم والصراط المستقيم بعد ابتناء إنكاره المعاد الجسماني على مجرّد
الاستبعاد فقط : إنّما هو شبهة الآكل والمأكول .
وتقريرها بأحد وجهين :
أوّلهما : أنّه لو فُرض صيرورة بدنين بدناً واحداً ، بأن يأكل إنسانٌ إنساناً مثلا ،
وامتزج لحماهما امتزاجاً تامّاً ، وصار الاثنان واحداً ، بحيث لم يبق لأحد منهما
جزء مختصّ به كي يعاد مؤلّفاً بنفسه خاصّة ، فحينئذ لا محيص عن إنكار إعادة
الجسد العنصري رأساً ، وذلك لكون الجزء الواحد المركّب فيهما عندئذ مشتركاً
بينهما ، ولو أُعيد مع بدن أيّ واحد من الآكل أو المأكول ، بقي الآخر منهما فاقداً
لذاك الجزء . وكذا الكلام في سائر أجزائه العنصريّة .
وحينئذ يدور أمر الفاقد لها بين أن لا يعاد أصلا ورأساً ، وبين أن يعاد منه نفسه
المجرّدة فقط ، وحيث لا سبيل إلى الأوّل بعد كونه مساوقاً لإنكار المعاد من أصله ،
فلا محيص عن الالتزام بالثاني ، وهو القول باختصاص المعاد بالنفوس المجرّدة
فقط ، من دون أجسادها العنصريّة ، فإنّه إذا تمّ المطلوب في مثال واحد - كما
هامش
( 1 ) وقع في هُوَّة ، أي : في بئر مغطّاة . أقرب الموارد 3 : 427 ( هوه ) .