شرح
الحياة الدنيا والآخرة عند ربّك للمتّقين ) ( 1 ) .
ومنها : ما أشار تعالى به من إصابة الصلحاء في الدنيا بأنواع المصائب والبلاء
كقوله عزّ من قائل : ( ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال
والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين ) ( 2 ) .
ويؤكّد كلّ ذلك ما يشاهد بالعيان ويُرى في الأعصار الحاضرة بالوجدان في
الأعداء وسائر الفَسَقة والفَجرة ، وكثير من أهل الفساد من السعة والدَعة والعزّ
والجمال والجاه والجلال ، وما يشاهد بعكس ذلك في كثير من الأخيار والصُلحاء
والأبرار من الفقر والذلّ والمرض وأنواع المصائب .
وبذلك كلّه يُعلم قطعيّاً أنّه ليس شيء من النِعَم الدنيويّة أجراً للمطيع ،
ولا يمكن أن يكون شيء من المصائب والبلايا الفانية جزاءً للعاصي وانتقاماً منه ،
وإلاّ لزم كون أُولئك المقرّبين من الأنبياء المعصومين ( عليهم السلام ) وأتباعهم أعداءً له
تعالى منتقماً منهم ، والعياذ بالله ، وكون أُولئك الفسقة الأشرار العصاة مقرّبين لديه ،
واستحالة ذلك كلّه واضحة ، فلا جرم بمقتضى عدله تعالى وحكمته لا تكون تلك
الحوادث الدنيويّة للفريقين إلاّ فتنة واختباراً لهم ، وإتماماً للحجّة عليهم ، صبراً
وجزعاً وشكراً وكفراً .
وبذلك يستأهلون الجزاء الأُخروي ثواباً أو عقاباً كما قال تعالى : ( ليميز الله
الخبيث من الطيّب ) ( 3 ) ( إنّما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ) ( 4 ) .
وعليه ، فلا محيص أبداً عن القول بصحّة دار الجزاء ، وأنّه لابدّ من إعادة
الأجسام المطيعة والعاصية بأجمعها يوم القيامة مؤلّفة بنفوسها المجرّدة ، لينال كلّ
منهم ما يستحقّه بعمله من العقوبة على المعصية أو المثوبة على الطاعة ، بمقتضى
وعد ربّه تعالى له ، الّذي لا خُلف فيه وإن كان ذلك فضلا منه لعبده المطيع من غير
استحقاق ، على ما تقدّم بيانه .
هامش
( 1 ) الزخرف : 33 - 35 .
( 2 ) البقرة : 155 .
( 3 ) الأنفال : 37 .
( 4 ) التغابن : 15 .