تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
شرح
الحياة الدنيا والآخرة عند ربّك للمتّقين ) ( 1 ) . ومنها : ما أشار تعالى به من إصابة الصلحاء في الدنيا بأنواع المصائب والبلاء كقوله عزّ من قائل : ( ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين ) ( 2 ) . ويؤكّد كلّ ذلك ما يشاهد بالعيان ويُرى في الأعصار الحاضرة بالوجدان في الأعداء وسائر الفَسَقة والفَجرة ، وكثير من أهل الفساد من السعة والدَعة والعزّ والجمال والجاه والجلال ، وما يشاهد بعكس ذلك في كثير من الأخيار والصُلحاء والأبرار من الفقر والذلّ والمرض وأنواع المصائب . وبذلك كلّه يُعلم قطعيّاً أنّه ليس شيء من النِعَم الدنيويّة أجراً للمطيع ، ولا يمكن أن يكون شيء من المصائب والبلايا الفانية جزاءً للعاصي وانتقاماً منه ، وإلاّ لزم كون أُولئك المقرّبين من الأنبياء المعصومين ( عليهم السلام ) وأتباعهم أعداءً له تعالى منتقماً منهم ، والعياذ بالله ، وكون أُولئك الفسقة الأشرار العصاة مقرّبين لديه ، واستحالة ذلك كلّه واضحة ، فلا جرم بمقتضى عدله تعالى وحكمته لا تكون تلك الحوادث الدنيويّة للفريقين إلاّ فتنة واختباراً لهم ، وإتماماً للحجّة عليهم ، صبراً وجزعاً وشكراً وكفراً . وبذلك يستأهلون الجزاء الأُخروي ثواباً أو عقاباً كما قال تعالى : ( ليميز الله الخبيث من الطيّب ) ( 3 ) ( إنّما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ) ( 4 ) . وعليه ، فلا محيص أبداً عن القول بصحّة دار الجزاء ، وأنّه لابدّ من إعادة الأجسام المطيعة والعاصية بأجمعها يوم القيامة مؤلّفة بنفوسها المجرّدة ، لينال كلّ منهم ما يستحقّه بعمله من العقوبة على المعصية أو المثوبة على الطاعة ، بمقتضى وعد ربّه تعالى له ، الّذي لا خُلف فيه وإن كان ذلك فضلا منه لعبده المطيع من غير استحقاق ، على ما تقدّم بيانه .
هامش
( 1 ) الزخرف : 33 - 35 . ( 2 ) البقرة : 155 . ( 3 ) الأنفال : 37 . ( 4 ) التغابن : 15 .