وعدّها وصفاً من الخراف * كيف ؟ وكانت معرض الأوصاف
والعلم بالكلّي ممّا شهدا * لمن رآها جوهراً مجرّدا
شرح
وبالجملة ، لا شبهة في أنّ النفس جوهرٌ من الجواهر ، بل جوهرةٌ نفيسةٌ
مخزونةٌ في الضمائر ، مستورةٌ عن الأبصار ، ومكشوفةٌ واضحةٌ لدى أرباب
البصائر ، وأنّها شيء مغائر للجسد العنصري ، والبدن المرئيّ « و » أنّ « عدّها وصفاً »
له بزعم أنّها من أعراضه لهو « من الخراف » المهمل الّذي لا يُصغى إليه ، ولا ينبغي
أن يعبأ به ، و « كيف » يتفوّه بذلك عاقل مع أنّه لا شبهة في اتّصافها بالجواهر ؟ « و »
أنّها « كانت » أي : ثبت كونها « معرض » جواهر « الأوصاف » كالإدراك المتعلّق
بالأُمور المغيبة عن البصر « والعلم » المتعلّق « بالكلّي » الّذي لا يمكن أن يُشاهد
بنفسه من دون مصاديقه ، ولا يعقل تحقّقه خارجاً إلاّ في ضمن أفراده ، فإنّ ذلك
« ممّا شهدا » شهادةً قطعيّةً « لمن رآها جوهراً مجرّداً » فإنّه بعد التسالم على كون
العلم جوهراً وأنّ مثله لا يمكن عروضه إلاّ على جوهر مثله بالضرورة لا يبقى
موقع أصلا لتوهّم كونها عرضاً كما هو واضح .
فإنّ العارض إذا كان عرضاً صرفاً جاز عروضه على كلّ من الجوهر والعرض
كليهما ، نظير الحركة العارضة على الجسم الجوهري والمعروضة للبطء أو السرعة
مثلا ، أو نظير الشدّة مثلا العارضة للأعراض الكثيرة كالفرح والحزن والقوّة والضعف
والجبن والشجاعة والبخل والكرم والحلم والغضب والحياء والوقاحة وأمثالها .
وأمّا إذا كان جوهراً فلا يعقل عروضه على العرض قولا واحداً ، ثمّ إذ قد تبيّن
لك ذلك واتّضح كون النفس جوهراً قابلا للاستقلال بالوجود ، وعرفت أنّها هي
المادّة الأصليّة في الإنسان : انقدح لك أنّه لا تلازم بينها وبين الجسد بقاءً وفناءً ،
بمعنى أنّ بقاء المادّة لا تلازم بقاء الصورة ، كما أنّ فناء الصورة بمعنى تبدّلها
لا تلازم أيضاً فناء المادّة .