ضرورة الدين قَضت بأنّ مَن * قضى وفاضت روحُه من البدن
يعيده ربّ المجازاة غدا * عيناً ، كما أنشأه في الابتدا
شرح
وحينئذ فلو قام دليلٌ من الشرع على بقاء الإنسان في عالم البرزخ منعّماً أو
معذّباً ، أو أنّه صحّ إخباره بعود الصورة يوم القيامة على مادّة كلّ فرد من البشر ، أو
من سائر المخلوقين على ما كانت عليه مركّبة مع مادّته في الدنيا عيناً من غير تغيّر
ولا فرق أصلا وجب الإذعان به ، فإنّه لا وحشة في شيء من ذلك ، ولا مانع عقلي
يمنع عن صحّته وتعقّله أصلا .
وعندئذ نقول : أمّا أصل المعاد مجملا فقد تصافقت الأدلّة الأربعة بأجمعها
على صحّته ، وأنّه لابدّ من وقوعه ، ولم يختلف في ذلك اثنان ، ولم يخالف فيه أحد
من أرباب الملل والأديان المختلفة ، والمذاهب الكثيرة المتبائنة ، اللّهمّ إلاّ بعض
الطبيعيّين على ما ينسب إليهم ، ولا يعبأ بهم على تقدير صحّة النسبة .
نعم ، قد انقدح بما ذكرنا أنّه لم يكن إنكار أُولئك الشرذمة القليلة من غواة
الفلاسفة إنكاراً لمطلق المعاد من أصله ، بل إنّما هم أنكروا كون ذلك معاداً
جسمانيّاً ، وقالوا : إنّه لا يكون المعاد إلاّ للنفوس المجرّدة والموادّ الباقية الأصليّة
من غير هيئة ولا صورة على ما أشرنا إليه من مذهبهم .
وحينئذ فلا يذهب عليك أنّ « ضرورة الدين » الإسلامي على تكثّر مذاهبه ، بل
وكذا سائر الأديان : « قضت » وحكمت باتّاً « بأنّ مَن » مات و « قضى » أجله
« وفاضت » نفسه ، أي خرجت « روحه من البدن » العُنصري لابدّ وأن « يُعيده ربّ
المجازات غداً » يوم القيامة .
وفي ذكر كلمة " المجازاة " إشارة إلى سبب الإعادة ، وأنّها لم تكن عبثاً ، بل
ليجزي كلاّ من عبيده وإمائه على ما عَمِلَه في الدنيا إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً ،
فهو سبحانه بقدرته الكاملة يعيد كلّ ذي نفس ناطقة « عيناً » بهيئته وصورته
الدنيويّة بنفسها ، مركّبةً بمادّته الأصليّة « كما أنشأه » في رحم أُمّه « في الابتداء »