تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
ضرورة الدين قَضت بأنّ مَن * قضى وفاضت روحُه من البدن يعيده ربّ المجازاة غدا * عيناً ، كما أنشأه في الابتدا
شرح
وحينئذ فلو قام دليلٌ من الشرع على بقاء الإنسان في عالم البرزخ منعّماً أو معذّباً ، أو أنّه صحّ إخباره بعود الصورة يوم القيامة على مادّة كلّ فرد من البشر ، أو من سائر المخلوقين على ما كانت عليه مركّبة مع مادّته في الدنيا عيناً من غير تغيّر ولا فرق أصلا وجب الإذعان به ، فإنّه لا وحشة في شيء من ذلك ، ولا مانع عقلي يمنع عن صحّته وتعقّله أصلا . وعندئذ نقول : أمّا أصل المعاد مجملا فقد تصافقت الأدلّة الأربعة بأجمعها على صحّته ، وأنّه لابدّ من وقوعه ، ولم يختلف في ذلك اثنان ، ولم يخالف فيه أحد من أرباب الملل والأديان المختلفة ، والمذاهب الكثيرة المتبائنة ، اللّهمّ إلاّ بعض الطبيعيّين على ما ينسب إليهم ، ولا يعبأ بهم على تقدير صحّة النسبة . نعم ، قد انقدح بما ذكرنا أنّه لم يكن إنكار أُولئك الشرذمة القليلة من غواة الفلاسفة إنكاراً لمطلق المعاد من أصله ، بل إنّما هم أنكروا كون ذلك معاداً جسمانيّاً ، وقالوا : إنّه لا يكون المعاد إلاّ للنفوس المجرّدة والموادّ الباقية الأصليّة من غير هيئة ولا صورة على ما أشرنا إليه من مذهبهم . وحينئذ فلا يذهب عليك أنّ « ضرورة الدين » الإسلامي على تكثّر مذاهبه ، بل وكذا سائر الأديان : « قضت » وحكمت باتّاً « بأنّ مَن » مات و « قضى » أجله « وفاضت » نفسه ، أي خرجت « روحه من البدن » العُنصري لابدّ وأن « يُعيده ربّ المجازات غداً » يوم القيامة . وفي ذكر كلمة " المجازاة " إشارة إلى سبب الإعادة ، وأنّها لم تكن عبثاً ، بل ليجزي كلاّ من عبيده وإمائه على ما عَمِلَه في الدنيا إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً ، فهو سبحانه بقدرته الكاملة يعيد كلّ ذي نفس ناطقة « عيناً » بهيئته وصورته الدنيويّة بنفسها ، مركّبةً بمادّته الأصليّة « كما أنشأه » في رحم أُمّه « في الابتداء »