شرح
وإن زعم بعض من لا خبرة له بعود المادّة في صورة أُخرى غير صورته الدنيويّة ،
وإنّما ذهب إلى ذلك لشبهة ستعرفها مقرونة بنقضها إن شاء الله تعالى .
وأنّ البرهان القطعي لما ذكر من المعاد الجسماني بعد متواترات الكتاب
والسنّة وإجماع المسلمين وسائر الملل بل ضرورة أديانهم جميعاً ( 1 ) : هو حكم
العقل الباتّ بذلك على إثر حكمه القطعي بعدل الربّ تعالى ، وحكمته البالغة في
إنزال الكتب ، وإرسال الرسل مبشّرين ومنذرين ، فإنّ ذلك يستتبع قطعيّاً وجود
الجزاء يوم المعاد ، وإلاّ لذهبت مظالم العباد ، وتساوى أهل الصلاح والفساد .
ومن الواضح أنّ ذلك كلّه مناف للعدل المطلق ، والحكمة التامّة في بعث أُولئك
الرسل المكرّمين ، ولا سيّما مع ما أُصيبوا به من أُممهم من الإيذاء والتكذيب
والسبّ والتهديد والقتل والتشريد والطرد والتبعيد ، وخصوصاً مع ما عُلم قطعيّاً من
كون أعاديهم في الغالب أُولي بطش وشدّة ، وذوي جاه وعزّة ، وسعة ومنعة ، وعِدد
وعُدّة ، وغنىً وثروة ، ولم يكن أُولئك المقرّبون المبعوثون من قِبَله تعالى إلاّ بعكس
ذلك كلّه في الغالب منهم .
بل وكذا من تبعهم من المؤمنين الصالحين ، فإنّ الأكثر منهم كانوا كذلك أيضاً
على ما سطرته التواريخ ، واستفاضت به الأحاديث المأثورة الصحيحة .
وقد لخّصها قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو أحد خُلفائه ( عليهم السلام ) : " البلاء للأنبياء ، ثمّ
الأولياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل " ( 2 ) .
وكذا الآيات الكثيرة من الكتاب ، ومنها : ما ذكره تعالى مشيراً إلى عدم اعتبار
ما وهب لأعداء الدين من النعم الدنيويّة بقوله جلّ وعلا : ( ولولا أن يكون الناس
أُمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضّة ومعارج عليها
يظهرون * ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتّكئون * وزخرفاً وإن كلّ ذلك لمّا متاع
هامش
( 1 ) انظر مناهج اليقين : 337 .
( 2 ) الكافي 2 : 252 / 1 ، علل الشرائع 1 : 44 / 1 ، مسكّن الفؤاد : 4 ، سنن الترمذي 4 :
28 / 2509 ، سنن ابن ماجة 2 : 1334 / 4023 .