فهي الّتي لو قلتَ أنت أو أنا * عنيتَها ولستَ تعني البدنا
شرح
جارحيّة ، أو ما أودعه الله تعالى في تلك الجوارح من إدراك « وقوّة » منبثّة فيها ، أو
ما خلقه في جوفه من جانحة « وعضو » مركّب من العصب والعروق واللحم على
سبيل الجوارح الظاهريّة الساترة له .
وعليه « فهي الّتي » يشار إليها « لو قلتَ : أنت ، أو أنا » أو هو ، وأمثالها ، من
ضمائر الإشارة ، فإنّه لا شكّ أنّك « عنيتَها » بتلك الإشارات قصداً ارتكازيّاً وإن
لم تتفطّن لذلك حين التكلّم « ولست تعني البدنا » العنصري الفارغ منها .
كلّ ذلك بشهادة الضرورة والوجدان ، فضلا عن سائر الأدلّة السمعيّة
والمأثورات الشرعيّة ، والبراهين العقليّة المذكورة في محالّها ، وليس المقام مقام
ذكرها مع الاستغناء عن التماسها بعد ظهور الأمر بالوجدان .
أما ترى قبح خطاب البدن المجرّد عنها عند ذهولها عنه بسبب الغفلة والنوم ،
أو عند مفارقتها له وانقطاعها عنه أصلا ورأساً بسبب الموت . هذا مع صحّة نسبة
الأفعال الخارجيّة الواقعة بسبب تلك الجوارح في المحاورات العرفيّة إلى نفس
الآمر المسيطر عليها رأساً نسبةً شائعةً حقيقيّة ، من غير غلط ولا مجاز ، فتراهم
ينسبون تلك الأفعال بكلّ صراحة على نحو الحقيقة إلى نفوسهم وإراداتهم ،
ولا ينسبون شيئاً منها إلى الجسد وعضلاته إلاّ على نحو الآليّة ونسبة الصنائع إلى
الأدوات الخارجيّة ، فترى القائل منهم يقول : رأيت أنا بعيني ، وضربت أنا بيدي ،
وتكلّمت أنا بلساني ، وأمثال ذلك .
وكلّ ذلك واضح كوضوح التعاكس بين عوارضها وعوارضه ، فترى كثيراً ممّا
يوجب الضعف أو التعب في الجسد كالصوم مثلا ، أو الحركة العنيفة في المصارعة
وأمثالها لا يوجب في النفس إلاّ نشاطاً وقوّة ، وهكذا الأمر في موجبات السوء في
كلّ منهما ، فإنّها مختلفة بينهما ، وأنّ الّذي يجرح النفس - كالكلام الخشن والهمّ
الشديد - مغائر لما يجرح الجسد ، كالآلات القتّالة أو الجارحة .