يعدّ آلات لها ما يحوي * من آلة وقوّة وعضو
شرح
خلق أُعجوبة الإنسان جامعاً للأمرين ، وجعل فيه مسطرة عن جميع صنائعه
ومخلوقاته الأرضيّة والسماويّة ، والدنيويّة والأُخرويّة ، فالعينان مثلا مسطرتان
عن الشمس والقمر ، واليدان مسطرتان عن أجنحتي الطيور ، ونبات الشعر مسطرة
عن نباتات الأرض ، والعروق السائلة فيها الدماء مسطرة عن أنهار الأرض
الجارية فيها المياه ، إلى غير ذلك ممّا تقدّم ذكره في باب التوحيد من الجزء الأوّل .
ثمّ إنّه تعالى بقدرته الكاملة ركّب فيه تلك النفس بتلك الصفات مسطرة عن
نفسه المقدّسة ، كي لا يشذّ عنه شيء من العوالم ، فلعلّه يتبصّر ويهتدي إلى معرفة
ربّه ، ويقدّر ما وهبه له ربّه تعالى من تلك الجوهرة الثمينة ، وهي نفسه النفيسة ،
ويعلم أنّه ليس على سبيل غيره من البهائم الممحّضة في الشهوات الجسميّة
العارية من تلك النفوس العاقلة ، كما قال مولى الموالي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
أتزعم أنّك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر ( 1 )
وبالجملة ، فالنفس هي الّتي ميّزت الإنسان عن سائر الكائنات الجسميّة ،
وفضّلته عليها ، كما قال تعالى : ( ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر
ورزقناهم من الطّيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا ) ( 2 ) .
وهي المخاطب على لسان الشرع كتاباً وسنّةً في جميع التكاليف الإلهيّة ، والأوامر
والنواهي الشرعيّة كما قال تعالى ( يا أيّتها النفس المطمئنّة * ارجعي إلى ربّك ) ( 3 ) .
وهي المسيطرة على الجسد وجوارحه بالحكم والأمر والنهي ، فهو بما فيه من
العضلات « بأمرها ينهض بالأُمور » ويقوم بما يصدر منه فعلا وتركاً بتوسّط تلك
العضلات الّتي هي كالعبيد والخدم المطيعة للنفس الآمرة ، فإنّ جميعها « يعدّ آلاتٌ »
وأدواتٌ « لها » سواء « ما يحوي » إيّاه في الظاهر المرئيّ في البدن « من آلة »
هامش
( 1 ) ديوان الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : 236 الرقم 158 .
( 2 ) الإسراء : 70 .
( 3 ) الفجر : 27 - 28 .