تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
حقيقةُ الإنسان نفسُهُ وقد * تعلّقت حالَ الحياة بالجسد تعلّقُ الآمر بالمأمور * بأمرها ينهض بالأُمور
شرح
بيان ذلك : أنّ « حقيقة الإنسان » الّذي هو أظهر أفراد الكائنات - بل هو أشرف أنواعها - ليست عبارة عن عضلاته المرئيّة وجوارحه الظاهريّة أو جوانحه الباطنيّة . بل هي عبارة عن ماهيّته الأصليّة ، وهي « نفسه » الناطقة الّتي تدرك الكلّيات المتصوّرة الّتي لا تدركها البهائم « و » بها « قد » تميّز الإنسان عنها ، وهي الّتي « تعلّقت حال الحياة » في الدنيا « بالجسد » العنصري المؤلّف من العروق والأعصاب واللحم والعظم والجلد ، ولكن لم يكن تعلّقها وتركّبها به تعلّق الاختلاط والامتزاج به على سبيل تعلّق الأعضاء الظاهريّة في البدن ، وتركّب بعضها مع البعض ، ولا تعلّق التداخل والاختفاء على سبيل تعلّق الجوانح الباطنيّة المتداخلة في الجسد ، والمستورة بالجوارح الظاهريّة . بل كان على نحو « تعلّق الآمر بالمأمور » والمحيط بالمحاط ، والمدبِّر بالمدبَّر ، والمسخِّر بالمسخَّر ، فهي جوهرٌ نفيسٌ لطيفٌ ملازمٌ للبدن المرئيّ ، ولكنّها ليست بداخلة فيه ، ولا خارجة عنه ، وأنّها لا تشاهد بالأبصار الظاهريّة ، ولا تعرف بكُنهِها وماهيّتها الحقيقيّة ، ولا تهتدي العقول البشريّة إلى حقيقتها الأصليّة ، وهي خلوٌّ من اللوازم الجسمانيّة ، فلامكان لها ولا ثقل ولا لون ولا الأبعاد الثلاثة - طولا وعرضاً وعُمقاً - ولا أمثال ذلك ، وأنّها على غاية اختفائها في شدّة الظهور ، ولا يمكن إنكارها من كلّ من فيه رائحة من الشعور . وبذلك كلّه يمكن أن يقال : إنّ الله تعالى خلقها مسطرة عن ذاته المقدّسة ، ثمّ جعلها في الإنسان الحاوي لجهتي الروحانيّة والجسمانيّة كليهما ، دون سائر الخلائق العلويّة والسفليّة ، مع اختصاص كلّ من العلويّين والسفليّين بإحدى الجهتين ، فالملائك العلويّون مخصوصون بجهة الروحانيّة ، والبهائم الصامتة وما دونها من النباتات والجمادات مخصوصون بجهة الجسمانيّة ، وأنّ الخالق تعالى