شرح
المشاهد خروج النفس حينه عن الجسد ، وتركّبه بقالب غيره ، وهي المنعّمة
أو المعذّبة في عالم البرزخ وعالم القيامة بما يسرّها أو يسوؤها ، دون الجسد
العنصري الدنيوي الّذي يبلى ويعدم بعد الموت ، ويستحيل إعادته .
وربما يستشهد لذلك بما ورد عن أمير المؤمنين من قوله ( عليه السلام ) : " إنّ الموت أخو
النوم ، وإنّكم لتموتون كما تنامون ، وتبعثون كما تفيقون " ( 1 ) وأمثال ذلك ، من
المأثورات عن المعصومين ( عليهم السلام ) كما يؤيّد بقاء النفوس المجرّدة وعدم انعدامها
أبديّاً بما ورد عنهم أيضاً من قولهم : " خُلقتم للبقاء لا للفناء " ( 2 ) .
وقد لفّق المتوهّم المذكور لتلك الدعوى الفاسدة ما سنشير إليه مقروناً بنقضه
إن شاء الله تعالى ، ولابدّ لنا أوّلا في المقام بيان ما وقع منه من الخلط في معنى
الفناء ، فإنّه ليس المراد منه ما توهّمه : من انعدام جميع ما في الكون الحاضر
بموادّها وحقائقها الأصليّة ، بل المراد منه في إطلاقات الشرع المقدّس إنّما هو
تفرّق الأجزاء العنصريّة ، وتبدّل صُورها اللحميّة والعظميّة وأمثالهما بالصور
الترابيّة والحجريّة وأشباههما ، مع بقاء المادّة الحقيقيّة المتّحدة في جميع تلك
الصور المتبادلة ، وسريانها على وحدتها وبساطتها الواقعيّة في جميع تلك الهيئات
المختلفة ، فإنّ فناء الهيئات وانعدام الصور لا يلازم فناء الموادّ ، كما أنّ بقاء الموادّ
الأصليّة في الإنسان في عالم البرزخ - على ما سنبيّنه في الركن الثاني إن شاء الله
تعالى - لا يلازم بقاء الهيئات ، فلا تتوهّم ذلك « ولا » تزعم أنّ « البقاء » الثابت في
شرع الإسلام وغيره « للكائنات » العلويّة والسفليّة بأجمعها في عالم القيامة يكون
« مبقياً » لصورها النوعيّة ، أو يكون ملازماً لبقاء هيئاتها الظاهريّة ، وهيهات من
ذلك ! ثمّ هيهات !
هامش
( 1 ) الاعتقادات ( الشيخ الصدوق ) المطبوعة مع مصنّفات الشيخ المفيد 5 : 64 ، تفسير القرطبي
15 : 261 ، تفسير الصافي 3 : 237 و 4 : 18 ، روضة الواعظين : 53 رووه عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
( 2 ) الاعتقادات ( للشيخ الصدوق ) المطبوعة مع مصنّفات الشيخ المفيد 5 : 47 ، بحار الأنوار
37 : 146 .