ولا ترى الفناء ضدّاً مُفنِيا * ولا البقا للكائنات مُبقيا
شرح
الواقعيّة بأجمعها ، وظهرت قدرته ثمّ حكمته في إيجاد العوالم وإفنائها كلّها بما فيها
من أجزائها وعناصرها ، فلا موقع للتوهّم المذكور ، وذلك لأنّه تعالى بقدرته
الكاملة واختياره التامّ يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ويختار لعباده ما هو
الأصلح لهم وجوداً وعدماً وبقاءً وفناءً وتقديماً وتأخيراً ، كلّ ذلك بمشيئته
المطلقة ، وإرادته القاهرة الحادثة منه تعالى شيئاً فشيئاً على سبيل سائر أفعاله
الخارجيّة ، وهي العلّة المنحصرة للكائنات إيجاداً وإعداماً ، على ما تقدّم بيانه ،
لا الذات المقدّسة الدائمة الأبديّة بما هي هي من غير إرادة ولا اختيار كي يتوجّه
الإشكال المذكور .
ثمّ إذ قد ثبت لك بكلّ ما ذكر إمكان فناء هذا العالم ، فاعلم أنّه ليس المراد من
ذلك انعدام عناصره وجميع ما فيه من الخلائق بحقائقها وموادّها « ولا ترى الفناء
ضدّاً » لوجود حقيقة الشيء ، ولا « مفنياً » لذاته وماهيّته كي تتوهّم التنافي بين
ذلك وبين ما نحن بصدده - من إثبات عالم الآخرة ، وعود الخلائق بأجمعهم فيه
إحياءً بموادّهم وصُورَهم بعد فنائهم وخروجهم من هذا العالم - كما توهّم ذلك بعض
الجهّال ، وزعم أنّ الفناء المدّعى في المقام هو الانعدام الحقيقي وزوال الموجودات
بماهيّاتها وحقائقها ، ولذلك ذهب إلى إنكار إعادة الأجسام في العالم الأُخروي ؛
بناءً على ما تصافق عليه أهل الفنّ واتّفقوا عليه ، من استحالة إعادة المعدوم .
وبذلك ضلّ وأضلّ وادّعى أنّ المعاد يوم القيامة لا يكون إلاّ روحانيّاً ، وذهب
إلى أنّه لا يبعث يومئذ إلاّ النفوس المجرّدة الّتي لم تعدم ، ولا تعدم وهي الباقية
أبديّاً بعد حدوثها ، فقال ( 1 ) : إنّها هي الّتي تظهر هناك في قوالب أُخرى مثاليّة ،
وتتركّب في صور وهيئات مغائرة للقوالب والهيئات الدنيويّة كما في عالم النوم
هامش
( 1 ) حكاه عن الفلاسفة في شرح المقاصد ( للتفتازاني ) 5 : 89 وبحار الأنوار 7 : 52 .