تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
ولا ترى الفناء ضدّاً مُفنِيا * ولا البقا للكائنات مُبقيا
شرح
الواقعيّة بأجمعها ، وظهرت قدرته ثمّ حكمته في إيجاد العوالم وإفنائها كلّها بما فيها من أجزائها وعناصرها ، فلا موقع للتوهّم المذكور ، وذلك لأنّه تعالى بقدرته الكاملة واختياره التامّ يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ويختار لعباده ما هو الأصلح لهم وجوداً وعدماً وبقاءً وفناءً وتقديماً وتأخيراً ، كلّ ذلك بمشيئته المطلقة ، وإرادته القاهرة الحادثة منه تعالى شيئاً فشيئاً على سبيل سائر أفعاله الخارجيّة ، وهي العلّة المنحصرة للكائنات إيجاداً وإعداماً ، على ما تقدّم بيانه ، لا الذات المقدّسة الدائمة الأبديّة بما هي هي من غير إرادة ولا اختيار كي يتوجّه الإشكال المذكور . ثمّ إذ قد ثبت لك بكلّ ما ذكر إمكان فناء هذا العالم ، فاعلم أنّه ليس المراد من ذلك انعدام عناصره وجميع ما فيه من الخلائق بحقائقها وموادّها « ولا ترى الفناء ضدّاً » لوجود حقيقة الشيء ، ولا « مفنياً » لذاته وماهيّته كي تتوهّم التنافي بين ذلك وبين ما نحن بصدده - من إثبات عالم الآخرة ، وعود الخلائق بأجمعهم فيه إحياءً بموادّهم وصُورَهم بعد فنائهم وخروجهم من هذا العالم - كما توهّم ذلك بعض الجهّال ، وزعم أنّ الفناء المدّعى في المقام هو الانعدام الحقيقي وزوال الموجودات بماهيّاتها وحقائقها ، ولذلك ذهب إلى إنكار إعادة الأجسام في العالم الأُخروي ؛ بناءً على ما تصافق عليه أهل الفنّ واتّفقوا عليه ، من استحالة إعادة المعدوم . وبذلك ضلّ وأضلّ وادّعى أنّ المعاد يوم القيامة لا يكون إلاّ روحانيّاً ، وذهب إلى أنّه لا يبعث يومئذ إلاّ النفوس المجرّدة الّتي لم تعدم ، ولا تعدم وهي الباقية أبديّاً بعد حدوثها ، فقال ( 1 ) : إنّها هي الّتي تظهر هناك في قوالب أُخرى مثاليّة ، وتتركّب في صور وهيئات مغائرة للقوالب والهيئات الدنيويّة كما في عالم النوم
هامش
( 1 ) حكاه عن الفلاسفة في شرح المقاصد ( للتفتازاني ) 5 : 89 وبحار الأنوار 7 : 52 .