شرح
انقطع حينئذ وجوده وأعقبه الفناء ، من غير حاجة إلى من يعدمه ، ولا انتظار لما
يؤثّر فيه ذلك ، ونظير ذلك ما ينتقش في نفس الإنسان ويتصوّره من الأُمور
الخياليّة والصُور الذهنيّة ، فإنّ وجوداتها في الذهن موقوفة على توجّه النفس
وإفاضة الالتفات منها عليها ، بحيث لو انقطع عنها توجّه النفس والتفاتها عدمت
بنفسها ، من غير معدم وجودي ولا مفن خارجي كما هو واضح .
ولا يتوهّم كون قطع الإفاضة شرّاً وإعداماً قبيحاً كي يتحاشى من نسبته إلى
الخالق تعالى ، وذلك لأنّ قطعها عند اقتضاء المصالح له حسن جدّاً ، بل ربما تكون
الإفاضة عليه قبيحاً ؛ لمكان انتهاء مصلحة البقاء ؛ أو لوجود ما يزاحمه في مصلحته من
المفاسد المهمّة الغالبة على مصلحته حسب ما أحاط به العلم الأزلي منه جلّ وعلا .
وعليه فليس قطع الإفاضة منه سبحانه عن الموجود إلاّ على سبيل عدم إفاضة
الوجود منه تعالى على سائر الممكنات المستقبلة المتعاقبة الّتي لم توجد بعد ، فإنّ
عدم إفاضة الوجود عليها قبل أوان وجوداتها لم يكن شرّاً ولا قبيحاً ، ولا سيّما
على المذهب الحقّ الّذي عليه الفرقة المحقّة الإثنا عشريّة ( قدس سرهم ) : من كون كافّة أفعاله
سبحانه وجميع صنائعه مستنداً إلى المصالح الواقعيّة ، ومسبّباً عمّا هو مكنون في
ذوات الأشياء من المحسّنات أو القبائح الحقيقيّة ، فكما أنّ عدم إفاضة الوجود
على شيء قبل حلول وقته وقبل حصول مصلحته لا يسمّى إعداماً ، ولا يراه العقل
والعقلاء قبيحاً ، بل يحكمون عليه بغاية الحسن ، بل لا يرون تقديم الإفاضة قبل
وقت المصلحة إلاّ شرّاً قبيحاً ، فكذلك قطع الإفاضة بعد انتهاء مصلحة البقاء ، أو
عند وجود مفسدة مزاحمة لمصلحته لا يكون عندهم إلاّ في غاية الحسن
والجودة ، بشهادة الوجدان والضرورة ، ولا يسمّى ذلك لديهم بالإعدام أو الإفناء ،
ولا يرونه شرّاً ولا قبيحاً .
ثمّ بعد ذلك كلّه لا يكاد ينقضي العجب من المعترف بحدوث العالم كيف يزعم
بقاءه أبديّاً ، ويدّعي وجوب استمراره سرمديّاً ، مع استلزام ذلك انقلاب الممكن
إلى الواجب ؟