شرح
الشرّ إليه جلّ وعلا ، ولا يجوز صدورهما منه تعالى .
وحينئذ فلا محيص من القول بدوام هذا العالم الحاضر وبقائه أبديّاً ؛ لعدم
تصوّر مُعدم له ، ولا وجود مَن يؤثّر فيه الفناء .
والجواب : أمّا نقضاً فبما يشاهد بالضرورة ، من الموت والفناء المتتابع المتّصل
في الخلائق كلّها جنّها وإنسها وحشها وطيرها ، سواء قيل بكون ذلك فيها عبارة
عن فنائها بموادّها وأصلها ، أو قيل : إنّه عبارة عن زوال أعراضها وفناء صورها النوعيّة
وانعدام هيئاتها الخارجيّة المرئيّة مع بقاء موادّها واستمرار أُصولها على الاختلاف
في ذلك ، فإنّه لا محيص عن الإذعان فيها بالفناء على كلّ من المذهبين جميعاً .
وحينئذ يقال : إنّ المفني لتلك الموجودات يكون مفنياً لعوالم الكائنات
الحاضرة من أصلها ، وإنّ كلّ من ينسب إليه الشرّ والإعدام لتلك الأفراد الواقعة في
عالم الإمكان ينسب إليه أيضاً إعدام نفس العالم من أصله حرفاً بحرف .
وأمّا حلاّ فبأنّ فناء الشيء وانعدامه لا ينحصر سببه في وجود من يؤثّر فيه
ذلك ويستند إليه الأمر ، بل إنّما يكون ذلك في الغالب مسبّباً عن انتهاء أمد السبب
لاستمراره ودوامه ، نظير الضوء والسراج مثلا ، الّذي يخمد نوره بنفاد سببه وخلاص
زيته ، من غير عروض حادث وجودي خارجي لخموده وفنائه ، كالريح وأمثاله .
وذلك لوضوح أنّ كلّ موجود في عوالم الإمكان كما أنّه يحتاج في أصل
وجوده إلى علّة محدثة وسبب يظهره من العدم إلى الوجود ، فكذلك يحتاج في
بقائه أيضاً إلى علّة مبقية وسبب يمدّ له البقاء الحادث شيئاً فشيئاً ، وإلاّ لزم القول
بكون بقائه غنيّاً عن السبب والعلّة ، ومعنى ذلك كونه واجباً ، وذلك خلف واضح ،
ومستلزم للانقلاب من الإمكان إلى الوجوب ، وأنّ استحالة ذلك بمكان من الوضوح .
وعندئذ يقال : إنّ عالم الإمكان كما أنّه لم يستغن في بدء حدوثه عن إفاضة
الباري تعالى ، فكذلك لا يستغني أيضاً عن ذلك في بقائه ، وعليه فإذا انتهت عنه
مدّة الإفاضة وحلّ أجلها لحِكَم كثيرة ومصالح عظيمة قد أحاط بها علمه تعالى