تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
شرح
الشرّ إليه جلّ وعلا ، ولا يجوز صدورهما منه تعالى . وحينئذ فلا محيص من القول بدوام هذا العالم الحاضر وبقائه أبديّاً ؛ لعدم تصوّر مُعدم له ، ولا وجود مَن يؤثّر فيه الفناء . والجواب : أمّا نقضاً فبما يشاهد بالضرورة ، من الموت والفناء المتتابع المتّصل في الخلائق كلّها جنّها وإنسها وحشها وطيرها ، سواء قيل بكون ذلك فيها عبارة عن فنائها بموادّها وأصلها ، أو قيل : إنّه عبارة عن زوال أعراضها وفناء صورها النوعيّة وانعدام هيئاتها الخارجيّة المرئيّة مع بقاء موادّها واستمرار أُصولها على الاختلاف في ذلك ، فإنّه لا محيص عن الإذعان فيها بالفناء على كلّ من المذهبين جميعاً . وحينئذ يقال : إنّ المفني لتلك الموجودات يكون مفنياً لعوالم الكائنات الحاضرة من أصلها ، وإنّ كلّ من ينسب إليه الشرّ والإعدام لتلك الأفراد الواقعة في عالم الإمكان ينسب إليه أيضاً إعدام نفس العالم من أصله حرفاً بحرف . وأمّا حلاّ فبأنّ فناء الشيء وانعدامه لا ينحصر سببه في وجود من يؤثّر فيه ذلك ويستند إليه الأمر ، بل إنّما يكون ذلك في الغالب مسبّباً عن انتهاء أمد السبب لاستمراره ودوامه ، نظير الضوء والسراج مثلا ، الّذي يخمد نوره بنفاد سببه وخلاص زيته ، من غير عروض حادث وجودي خارجي لخموده وفنائه ، كالريح وأمثاله . وذلك لوضوح أنّ كلّ موجود في عوالم الإمكان كما أنّه يحتاج في أصل وجوده إلى علّة محدثة وسبب يظهره من العدم إلى الوجود ، فكذلك يحتاج في بقائه أيضاً إلى علّة مبقية وسبب يمدّ له البقاء الحادث شيئاً فشيئاً ، وإلاّ لزم القول بكون بقائه غنيّاً عن السبب والعلّة ، ومعنى ذلك كونه واجباً ، وذلك خلف واضح ، ومستلزم للانقلاب من الإمكان إلى الوجوب ، وأنّ استحالة ذلك بمكان من الوضوح . وعندئذ يقال : إنّ عالم الإمكان كما أنّه لم يستغن في بدء حدوثه عن إفاضة الباري تعالى ، فكذلك لا يستغني أيضاً عن ذلك في بقائه ، وعليه فإذا انتهت عنه مدّة الإفاضة وحلّ أجلها لحِكَم كثيرة ومصالح عظيمة قد أحاط بها علمه تعالى