ببذل ما يرضى به الداعي غدا * فلا يكون مخلفاً ما وعدا
فوعده المقرون بالمانع لا * يعقل إلاّ أن أراد البدلا
شرح
الأُجور العاجلة مالا وعزّاً وذرّيةً ما تسكن به نفسه ، ويفرح به قلبه ، وقد يكون
« ببذل » أُجور أُخرويّة له بقدر « ما يرضى به الداعي غداً » يوم القيامة ، على ما
أُشير إليه في بعض الأحاديث المأثورة عن أهل البيت بما ملخّصه : إنّ أهل البلاء
من المؤمنين يلقون يوم القيامة من الأُجور العظيمة ، والأعواض الكثيرة ، على
صبرهم على البلاء والفقر والمرض والفقد والشدّة ، وعلى عدم نيلهم بما سألوه في
الدنيا من الرخاء والصحّة واليسر وأمثالها ما يزدادون به شكراً لربّهم في عدم
استجابته لهم ( 1 ) وعدم إعطائه مطلوبهم في النشأة العاجلة الدنيويّة ، بل يتمنّون
يومئذ أن لَيتَهم لم يستجب لهم دعاء أصلا ، ولم ينفكّ عنهم بلاء مدّة حياتهم في
الدنيا أبداً ، حتّى يتعقّب لهم بذلك وصولهم إلى درجات أرفع من درجاتهم ،
وأُجوراً عظيمة وافية أعظم ممّا نالوه من أُجورهم .
وعليه « فلا يكون » الربّ تعالى « مخلفاً ما وعدا » إذا كان الفضل والمنّة في
عدم الإجابة في عاجل الدنيا ، و « فوعده » تعالى بالإجابة إنّما هو لدعاء يوجب
خيراً للداعي نفسه في إحدى النشأتين ، أو لغيره كذلك .
وأمّا الدعاء « المقرون بالمانع » المهمّ ، والمقترن بمزاحم مفسد لمصلحة
الإجابة ، فلا وعد له بذلك ، و « لا » يمكن ذلك ، بل لا « يعقل » صدورها منه تعالى ؛
لما عرفت من قبح ذلك ، وهو جلّ وعزّ منزّه ساحة قدسه عن كلّ قبيح « إلاّ أن »
يقال بتعميم الإجابة ، وأنّه تعالى « أراد » بوعده بها في الآيات المشار إليها وفي
نظائرها ، ما يشمل إعطاء المطلوب الدنيوي وما يعمّ « البدلا » في العالم الأُخروي .
وبذلك يصحّ تعميم الوعد لجميع أدعية المؤمنين ، بل وغيرهم أيضاً ، وبه تندفع
هامش
( 1 ) انظر الكافي ( للكليني ) 2 : 488 باب من أبطأت عليه الإجابة ح 9 ، بحارالأنوار 90 : 375 و 378 .