فليس في هذا الدعاء داعي * إلاّ امتثال أمره المطاع
فآية ( ادعوني ) لندبه اقتضت * وفطرة العقل بحسنه قضت
شرح
وسائر الخلائق أجمعين على براءة ساحتهم ، وقدس مقامهم عن الرضا بمقالة
أُولئك الملاحدة الضالّة ، وحينئذ فبناءً على هذين الوجهين المحتملين يكون العمل
والدعاء بنفسه مطلوباً استقلاليّاً ، ذا حسن ذاتي .
وبذلك أيضاً يندفع عنه محذور اللغويّة ، وشبهة تكلّفهم لما لا ينبغي منهم ، وهو
طلب تغيير المحتوم ، وعليه « فليس في هذا الدعاء داعي » ولا مقتضي لهم في ذلك :
« إلاّ امتثال أمره المطاع » المأثور كتاباً وسنّة ، والمستحسن اتّباعه عقلا ونقلا .
« فآية ( ادعوني ) » على ما أشرنا إليه إن لم تدلّ على الوجوب المؤكّد
بظاهر الأمر ، ثمّ بما في ذيلها من التهديد على ترك الدعاء ، فلا أقلّ من أنّها
« لندبه » ورجحانه « اقتضت » وكفى بذلك سبباً لعباديّته بنفسه ، ومحبوبيّته بذاته ،
مضافاً إلى تصافق العقلاء عليه « و » حُكمُ « فطرة العقل » بذلك أيضاً ، فإنّها
بمقتضى وجوب شكر المُنعم بحكمها الاستقلالي قد حكمت « بحسنه » و « قضت »
برجحانه أو وجوبه .
نعم ، يمكن في المقام ورود إشكال آخر ، وهو أنّه بعد وعده تعالى إجابة
الدعاء من الداعين بأجمعهم ، مع التسالم على أنّه سبحانه لا يخلف الميعاد ، كيف
لا يجيب كثيراً من الأدعية على ما هو المشاهد المعلوم ؟ وكيف التوفيق ؟
ولكن الجواب منه واضح ، فإنّه لا شبهة في أنّ إجابته تعالى ووعده بذلك إنّما
هي فضل منه جلّ وعلا ، ومنّة منه على الداعين ، وذلك إنّما يكون فيما إذا كان في
الإجابة نفع لنفس الداعي أو لغيره من المؤمنين ، وأمّا إذا لم يكن فيها فائدة دنيويّة
ولا أُخرويّة ، لا لنفسه ولا لغيره ، وإنّما طلب الداعي الجاهل ما طلب منه تعالى
وسأل ما سأل جهلا منه بخلوّ مطلوبه من الفائدتين ، أو اشتماله على خسارته في
الدارين كلتيهما أو في إحداهما : فلا فضل في إجابته ، ولم يسبق القول منه