وربما يدعونه تضرّعا * لم يبتغوا فيه سوى حسن الدعا
ولاعتراف بافتقارهم إلى * معبودهم ربّ السماوات العُلا
شرح
الأمرين من الموافقة أو المخالفة للقضاء المحتوم ، وأنّ دعاءه غير مؤثّر على كلا
التقديرين : يقتضي أن يمنعه عن ذلك ، ولا يكون معه أيضاً موقع لتلك الأوامر ،
ولم يظهر لنا حكمة في كلّ ذلك إلاّ ما ذكرنا ، من إمكان اشتراط تنجّز المحتوم في
اللوح المحفوظ بالدعاء والتضرّع والطلب .
كما يمكن أن يقال : إنّ الحكمة في دعاء أُولئك المعصومين وتذلّلهم بين يدي
الخالق تعالى ، وطلبهم الحوائج منه إنّما هي حسن نفس تلك الأقوال والأفعال ،
فهي بأنفسها مطلوبة محبوبة له تعالى بعد ورود الأمر بها أيضاً في الكتاب والسنّة
بقوله تعالى : ( ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفية ) ( 1 ) ونظائره .
فهم إنّما قاموا بتلك الأعمال الحسنة طلباً لمرضاته تعالى « وربما يدعونه
تضرّعاً » وخيفةً إطاعةً لأوامره سبحانه .
وعليه فهم لم يطلبوا في قولهم ذلك و « لم يبتغوا فيه سوى حُسن الدعا » بعد
معلوميّة كونه من أقسام العبادات ، بل أفضلها ، بشهادة تسميته بذلك ، وتسمية تركه
استكباراً موجباً لدخول جهنّم داخرين في قوله تعالى : ( أُدعوني أستجب لكم إنّ
الّذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين ) ( 2 ) .
بل يمكن أن يقال أيضاً : إنّ ما صدر منهم دعاءً وتضرّعاً إنّما كان دفعاً لشبهة
الغلوّ فيهم « و » عملوا من ذلك ما عملوا « لاعتراف » منهم « بافتقارهم » وحاجتهم
« إلى » من هو غنيّ بالذات ، وهو « معبودهم » الّذي هو وحده تعالى « ربّ
السماوات العُلا » .
وبذلك دحضوا كلمة " الغلاة " فيهم ، ثمّ أشهدوا بذلك ربّهم تعالى وملائكته
هامش
( 1 ) الأعراف : 55 .
( 2 ) المؤمن : 60 .