إذا دعوا ربّهم استجابا * أو سألوه حاجة أجابا
لكنّهم لم يسألوا خلاف ما * أبرمه يد القضا وأحكما
كيف وهم لا يسبقون ربّهم * بالقول إذ بنفسه هذّبهم
شرح
السابقين واللاحقين ، و « أبان لهم الحقائقا » الّتي خفيت على سائر الخلائق
أجمعين ، من الأُمور الواقعيّة ، والقضايا المدنيّة ، والأحكام الشرعيّة ، وقد
علا قدرهم عند خالقهم ، وارتفعت لديه منزلتهم ، بحيث « إذا دعوا ربّهم » لم يؤخّر
إجابتهم ، و « استجابا » دعوتهم بأسرع ما يكون « أو سألوه حاجة أجابا » سؤالهم من
غير مهل ولا تأجيل .
« لكنّهم » بعد علمهم بما يرضاه ربّهم عمّا لا يرضاه بإلهام منه تعالى لهم « لم
يسألوا خلاف ما » يرضاه ، ولم يطلبوا منه سبحانه نقض ما « أبرمه يد القضا » ولا تغيير
ما جرى في علمه القديم « و » ما « أحكما » وأثبته في لوحه المحفوظ الأزلي .
« كيف » لا يكونون كذلك ؟ « وهم » كما وصفهم خالقهم تعالى في كتابه الكريم
بقوله جلّ وعلا : ( بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) ( 1 ) .
ولا غرو في ذلك مع انقطاع الوحي عنهم بعد رحلة جدّهم الخاتم ( صلى الله عليه وآله ) ، « إذ »
أنّ ربّهم تعالى بيد قدرته ربّاهم ، وبإلهاماته الرحمانيّة المنتقشة في صدورهم ،
والإدراكات المتصوّرة بإذنه تعالى في نفوسهم ، علّمهم وهداهم ، و « بنفسه »
المقدّسة « هذّبهم » وصفّاهم من رسوخ أوهام الشياطين ، ووساوس الأبالسة في
أذهانهم وقواهم الخياليّة ، وأفكارهم القلبيّة الباطنيّة ، على خلاف غيرهم .
فإنّ المتصوّرات في أذهان سائر الناس والمنتقشات في نفوسهم قد تكون
وساوس فاسدة شيطانيّة غير مرضيّة لربّهم تعالى ، كما ربما تكون في بعض الأحيان
أيضاً إلهامات ربّانيّة مرضيّة ، فبذلك أيضاً امتاز أُولئك الأطيبين عمّن سواهم .
هامش
( 1 ) الأنبياء : 26 - 27 .