شرح
لا يقال : إنّ دعاءهم وطلبهم الحوائج من ربّهم تعالى مناف لعلمهم بما أبرمه
القضاء ، وذلك لأنّ سؤالهم إيّاه تعالى يستلزم أحد المحذورين : إمّا لغويّة الطلب ،
إن علموا موافقة المطلوب للمقدّر المحتوم . وإمّا طلب تغييره ، إن علموا مخالفته له ،
وهم يجلّون عن كليهما ، هذا مع استحالة تغيّر المبرم المحتوم ، الّذي جرى في علمه
تعالى ، وإلاّ لم يكن مبرماً ، وهو خلف ، مضافاً إلى استلزام ذلك انقلاب علمه
الموجب لانقلاب الذات - والعياذ بالله - بسبب انقلاب المعلوم ، واستحالة كلّ
منهما بمكان من الوضوح ، كوضوح التلازم ، بعد دعوى الإجابة لهم في جميع
أسئلتهم وحوائجهم .
فإنّه يقال : إنّه يجوز اختيار الشقّ الأوّل في كلّ من الإشكالين ، بأن يقال : إنّهم
بعد علمهم بموافقة المطلوب للمحتوم يمكن علمهم أيضاً باشتراط تنجّز المحتوم ،
ووقوعه بالطلب والسؤال ، فهو محتوم واقع مع الطلب ومعلّق عليه ، بحيث لولا
السؤال والدعاء لا يتنجّز ولا يقع ، فهم يأتون بما يأتون من الدعاء والابتهال حتّى
يتسبّبوا بذلك إلى تحقّق شرط المحتوم ، وينالوا به وقوعه وتنجّزه ، وبذلك يندفع
محذور اللغويّة عنه .
وكذا القول في المبرم ، فإنّه يجوز أن يكون إبرامه مشروطاً بذلك ، فهم بإيجاد
الشرط بعد علمهم بالاشتراط وبالشرط يتسبّبون بالدعاء إلى نيل المطلوب
المعلّق ، ووقوع المسؤول المبرم ، وذلك واضح لا خفاء فيه ولا ضير ولا إشكال .
ويمكن أن يكون هذا هو الوجه فيما ورد كتاباً وسنّة من الأوامر المؤكّدة
المكرّرة على سائر الناس بالدعاء ، وطلب الحوائج من الله تعالى ، كما في قوله
سبحانه : ( أُدعوني أستجب لكم ) ( 1 ) ( أُجيب دعوة الدّاع إذا دعان ) ( 2 ) ( قل ما
يعبؤ بكم ربّي لولا دعاؤكم ) ( 3 ) .
وأمثالها ، مضافاً إلى متواترات السنّة ( 4 ) وإلاّ فعلم الداعي إجمالا بأحد
هامش
( 1 ) المؤمن : 60 .
( 2 ) البقرة : 186 .
( 3 ) الفرقان : 77 .
( 4 ) انظر الدرّ المنثور 1 : 194 ، تفسير البرهان 1 : 185 .