تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
شرح
لا يقال : إنّ دعاءهم وطلبهم الحوائج من ربّهم تعالى مناف لعلمهم بما أبرمه القضاء ، وذلك لأنّ سؤالهم إيّاه تعالى يستلزم أحد المحذورين : إمّا لغويّة الطلب ، إن علموا موافقة المطلوب للمقدّر المحتوم . وإمّا طلب تغييره ، إن علموا مخالفته له ، وهم يجلّون عن كليهما ، هذا مع استحالة تغيّر المبرم المحتوم ، الّذي جرى في علمه تعالى ، وإلاّ لم يكن مبرماً ، وهو خلف ، مضافاً إلى استلزام ذلك انقلاب علمه الموجب لانقلاب الذات - والعياذ بالله - بسبب انقلاب المعلوم ، واستحالة كلّ منهما بمكان من الوضوح ، كوضوح التلازم ، بعد دعوى الإجابة لهم في جميع أسئلتهم وحوائجهم . فإنّه يقال : إنّه يجوز اختيار الشقّ الأوّل في كلّ من الإشكالين ، بأن يقال : إنّهم بعد علمهم بموافقة المطلوب للمحتوم يمكن علمهم أيضاً باشتراط تنجّز المحتوم ، ووقوعه بالطلب والسؤال ، فهو محتوم واقع مع الطلب ومعلّق عليه ، بحيث لولا السؤال والدعاء لا يتنجّز ولا يقع ، فهم يأتون بما يأتون من الدعاء والابتهال حتّى يتسبّبوا بذلك إلى تحقّق شرط المحتوم ، وينالوا به وقوعه وتنجّزه ، وبذلك يندفع محذور اللغويّة عنه . وكذا القول في المبرم ، فإنّه يجوز أن يكون إبرامه مشروطاً بذلك ، فهم بإيجاد الشرط بعد علمهم بالاشتراط وبالشرط يتسبّبون بالدعاء إلى نيل المطلوب المعلّق ، ووقوع المسؤول المبرم ، وذلك واضح لا خفاء فيه ولا ضير ولا إشكال . ويمكن أن يكون هذا هو الوجه فيما ورد كتاباً وسنّة من الأوامر المؤكّدة المكرّرة على سائر الناس بالدعاء ، وطلب الحوائج من الله تعالى ، كما في قوله سبحانه : ( أُدعوني أستجب لكم ) ( 1 ) ( أُجيب دعوة الدّاع إذا دعان ) ( 2 ) ( قل ما يعبؤ بكم ربّي لولا دعاؤكم ) ( 3 ) . وأمثالها ، مضافاً إلى متواترات السنّة ( 4 ) وإلاّ فعلم الداعي إجمالا بأحد
هامش
( 1 ) المؤمن : 60 . ( 2 ) البقرة : 186 . ( 3 ) الفرقان : 77 . ( 4 ) انظر الدرّ المنثور 1 : 194 ، تفسير البرهان 1 : 185 .