شرح
الزندقة والهلاك ، فقالوا : إنّ الصادر منه تعالى ليس إلاّ النور الواحد المتفرّد في
أصله وحقيقته ، ولكنّه تشعّب بعد وجوده إلى حقيقة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخلفائه ، فهو
على بساطته وتفرّده الحقيقي انشعب إلى نورَي النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) والوصيّ ، وأنّهما صارا
ذا جهتين ممكنة وواجبة ، وبذلك صارا مخلوقين له تعالى ، وخالقين لغيره سبحانه .
ولكن لا يذهب عليك أنّ كلّ ذلك كفر وضلال مخالف للعقل والنقل والكتاب
والسنّة وإجماع المسلمين ، بل وسائر العقلاء من الملل أجمعين ، فإنّ ما ذكر من
الحكم العقلي بلزوم السنخيّة والتناسب بين العلّة والمعلول وعدم إمكان تأثير
الشيء في إيجاد ما يضادّه ويخالفه إنّما يكون في العلل الاضطراريّة المجبورة في
تأثيرها ، غير القادرة على إيجاد ما يباينها ، نظير النار والحرارة ، أو الماء والرطوبة
أو النور والإضاءة ، وأمثالها .
وأمّا الفاعل المختار القادر على إيجاد المتبائنين فلا يتمّ فيه ذلك ، بعد ما
عرفت فيما تقدّم في باب التوحيد ، من أنّ حصول القدرة وصحّتها لا يكون إلاّ
بالتمكّن من إيجاد طرفي النقيض كليهما ، بحيث لو لم يكن متمكّناً إلاّ من أحدهما
لم يصدق عليه القادر ، أو المختار ، بضرورة حكم العقل والعرف ، فهو تعالى بقدرته
الكاملة واختياره التامّ وإرادته النافذة خالق بمشيئته القاهرة جميع الأشياء على
ما بينها من التضادّ والاختلاف ، ولا شبهة في أنّ القدرة الكاملة متساوية بالإضافة
إلى جميعها ، وأنّ الكائنات بأجمعها في الخلق والرزق والحياة والممات وسائر
العوارض منتهية إليه سبحانه ، ومسبّبة منه بلا واسطة أصلا .
لا يقال : إنّ القدرة الكاملة الذاتية بعد التسالم على بساطتها الحقيقيّة باعتبار
عينيّتها للذات المقدّسة المنزّهة عن أنحاء التركّب بأجمعها ، كيف يمكن تأثيرها في
الأشياء المختلفة ؟ وهل القول بذلك إلاّ موجباً لعود الإشكال ، ونقض ما ذكر من
حكم العقل الباتّ ؟
فإنّه يقال : إنّه قد تقدّم في الباب الأوّل من الكتاب أنّ اختلاف متعلّق القدرة