تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
شرح
الزندقة والهلاك ، فقالوا : إنّ الصادر منه تعالى ليس إلاّ النور الواحد المتفرّد في أصله وحقيقته ، ولكنّه تشعّب بعد وجوده إلى حقيقة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخلفائه ، فهو على بساطته وتفرّده الحقيقي انشعب إلى نورَي النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) والوصيّ ، وأنّهما صارا ذا جهتين ممكنة وواجبة ، وبذلك صارا مخلوقين له تعالى ، وخالقين لغيره سبحانه . ولكن لا يذهب عليك أنّ كلّ ذلك كفر وضلال مخالف للعقل والنقل والكتاب والسنّة وإجماع المسلمين ، بل وسائر العقلاء من الملل أجمعين ، فإنّ ما ذكر من الحكم العقلي بلزوم السنخيّة والتناسب بين العلّة والمعلول وعدم إمكان تأثير الشيء في إيجاد ما يضادّه ويخالفه إنّما يكون في العلل الاضطراريّة المجبورة في تأثيرها ، غير القادرة على إيجاد ما يباينها ، نظير النار والحرارة ، أو الماء والرطوبة أو النور والإضاءة ، وأمثالها . وأمّا الفاعل المختار القادر على إيجاد المتبائنين فلا يتمّ فيه ذلك ، بعد ما عرفت فيما تقدّم في باب التوحيد ، من أنّ حصول القدرة وصحّتها لا يكون إلاّ بالتمكّن من إيجاد طرفي النقيض كليهما ، بحيث لو لم يكن متمكّناً إلاّ من أحدهما لم يصدق عليه القادر ، أو المختار ، بضرورة حكم العقل والعرف ، فهو تعالى بقدرته الكاملة واختياره التامّ وإرادته النافذة خالق بمشيئته القاهرة جميع الأشياء على ما بينها من التضادّ والاختلاف ، ولا شبهة في أنّ القدرة الكاملة متساوية بالإضافة إلى جميعها ، وأنّ الكائنات بأجمعها في الخلق والرزق والحياة والممات وسائر العوارض منتهية إليه سبحانه ، ومسبّبة منه بلا واسطة أصلا . لا يقال : إنّ القدرة الكاملة الذاتية بعد التسالم على بساطتها الحقيقيّة باعتبار عينيّتها للذات المقدّسة المنزّهة عن أنحاء التركّب بأجمعها ، كيف يمكن تأثيرها في الأشياء المختلفة ؟ وهل القول بذلك إلاّ موجباً لعود الإشكال ، ونقض ما ذكر من حكم العقل الباتّ ؟ فإنّه يقال : إنّه قد تقدّم في الباب الأوّل من الكتاب أنّ اختلاف متعلّق القدرة