أشبهة الواحد والتعدّد * رمته في هذا الضلال الأبعد
شرح
وقدرته الكاملة عاجزة عن الخلق والرزق ، حتّى يفوّض أمرهما إلى عبده الحادث
منه نظير قول اليهود ( يد الله مغلولة ) ( 1 ) فقاتلهم الله ( غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) .
و « هل » يُعقل « لخلق الله حدّ » محدود ، أو لقدرته قدر مقدور ، حاشاه سبحانه
عن ذلك كلّه ، ثمّ حاشاه ، وإلاّ لزم كون ذاته المقدّسة أيضاً محدودة لما بينهما من
العينيّة الحقيقيّة ، على ما عرفت فيما تقدّم ، وتعالى ربّنا عن كلّ ذلك علوّاً كبيراً .
وليت شعري ما الّذي ألجأ الضالّ القائل بذلك ؟ « أشبهة الواحد والتعدّد » وهي
الّتي ألقاها بعض الفلاسفة فاغترّ بها الجاهل الغبي حتّى « رمته في هذا الضلال »
البعيد عن الحقّ ، بل « الأبعد » المساوق للشرك .
وملخّص تلك الشبهة الواهية - على ما أوردوه - أنّه لا شبهة في لزوم السنخيّة
بين العلّة والمعلول ، بضرورة حكم العقل ، وإلاّ لزم تأثير كلّ شيء في كلّ شيء ،
وفساد ذلك واضح ، ولو كانت العلّة بسيطاً في الغاية - كما في المقام باعتبار كون
الذات المقدّسة الإلهيّة فرداً متفرّداً بسيطاً حقيقيّاً ، لا يشوبه أدنى تركّب - لا يمكن
عندئذ صدور معلولين متبائنين أو مختلفين منه ، حيث إنّه لابدّ من كون كلّ منهما
مستنداً إلى جهة غير جهة صاحبه ، ومعلولا لعلّة مبائنة لعلّة الآخر منهما ، تحقيقاً
للمبائنة المفروضة بينهما ، مع لزوم السنخيّة بين كلّ معلول وعلّته .
وعليه ، فلا محيص في المقام عن أحد الأمرين : إمّا القول بتعدّد الجهات في
الذات المقدّسة ، حتّى يكون كلّ منها علّة لمعلول خاصّ .
وإمّا القول بكون الصادر منه تعالى ليس إلاّ أمراً واحداً بسيطاً حقيقيّاً ؛ تحقيقاً
للسنخيّة تكون الموجودات المختلفة أو المتبائنة بأجمعها معلولة لما صدر منه
تعالى ، لا معلولة لذاته المقدّسة بنفسها ، وحيث لا سبيل إلى الأوّل - للزوم التركّب
هامش
( 1 ) المائدة : 64 .