تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
شرح
فيه سبحانه - تعيّن الثاني . ويقال : إنّ الصادر منه تعالى وإن كان بسيطاً بحقيقته وذاته ، ولكن ذلك غير مناف لكونه ذا جهتين ، وهما : الإمكان الذاتي ، والوجوب الغيري ، ويتفرّع على ذلك أنّ الصادر من الذات المقدّسة ليس إلاّ العقل الأوّل الحاوي للأمرين ، وبذلك أمكن صدور المختلفين منه ، وجاز سببيّة كلّ جهة منه لمعلول مبائن لغيره ، على ما في ذات العلّة من الوحدة الحقيقيّة ، فهو واحد بالذات ، وبذلك صار معلولا للذات المقدّسة المتفرّدة النقيّة عن الجهات ، كما أنّه حاو أيضاً للجهات ، وبها صارت علّة لسائر الممكنات . وبعبارة واضحة ، بعد معلوميّة أنّه لا يمكن تأثير الشيء في إيجاد ضدّه ، فلا يُعقل سببيّة النور مثلا لوجود الظلمة ، ولا سببيّة وجود السواد لوجود البياض ، وكذا سائر المتبائنات ، بل إنّما يكون وجود كلّ ضدّ مسبّباً عن عدم ضدّه ، أو عن شيء آخر يكون مناسباً له ، ومشاركاً معه في جهة الوجود من حيث الإمكان ، وهذا هو معنى السنخيّة الّتي لابدّ منها بين كلّ معلول وعلّته على ما أُشير إليه . وحينئذ فبعد وضوح أنّ الباري تعالى مبائن تامّ لجميع مصنوعاته ، ومغائر حقيقي لكافّة خلائقه وكائناته . ووضوح أن ليس فيه تعالى من الجهات المتصوّرة إلاّ جهة الوجوب بالذات ، وجهة البساطة الحقيقيّة التامّة ، وكلّ منهما مغائر للجهات الموجودة في كائناته ، وهي جهة الإمكان ، وجهة التركّب ، وجهة الفناء ، وجهة عروض العوارض عليها ، وأمثال ذلك . فهو - جلّ وعزّ - منزّه ذاته المقدّسة عن جميع تلك الجهات ، ومبرّأ ساحة قدسه عن المشاركة مع شيء من الكائنات في السنخيّة والتناسب ، ولا يدنسه شيء من أصناف التركّب ، حتّى الموجود منها في الماهيّات البسيطة ، وهو التركّب العقلي المتصوّر من الجنس والفصل ، في مثل النور والظلمة ، والعقل والنفس ، ونظائرها من البسائط ، فضلا عن التركّب الخارجي من المادّة والصورة الموجود