شرح
فيه سبحانه - تعيّن الثاني .
ويقال : إنّ الصادر منه تعالى وإن كان بسيطاً بحقيقته وذاته ، ولكن ذلك
غير مناف لكونه ذا جهتين ، وهما : الإمكان الذاتي ، والوجوب الغيري ، ويتفرّع
على ذلك أنّ الصادر من الذات المقدّسة ليس إلاّ العقل الأوّل الحاوي للأمرين ،
وبذلك أمكن صدور المختلفين منه ، وجاز سببيّة كلّ جهة منه لمعلول مبائن لغيره ،
على ما في ذات العلّة من الوحدة الحقيقيّة ، فهو واحد بالذات ، وبذلك صار معلولا
للذات المقدّسة المتفرّدة النقيّة عن الجهات ، كما أنّه حاو أيضاً للجهات ، وبها
صارت علّة لسائر الممكنات .
وبعبارة واضحة ، بعد معلوميّة أنّه لا يمكن تأثير الشيء في إيجاد ضدّه ،
فلا يُعقل سببيّة النور مثلا لوجود الظلمة ، ولا سببيّة وجود السواد لوجود البياض ،
وكذا سائر المتبائنات ، بل إنّما يكون وجود كلّ ضدّ مسبّباً عن عدم ضدّه ، أو عن
شيء آخر يكون مناسباً له ، ومشاركاً معه في جهة الوجود من حيث الإمكان ،
وهذا هو معنى السنخيّة الّتي لابدّ منها بين كلّ معلول وعلّته على ما أُشير إليه .
وحينئذ فبعد وضوح أنّ الباري تعالى مبائن تامّ لجميع مصنوعاته ، ومغائر
حقيقي لكافّة خلائقه وكائناته . ووضوح أن ليس فيه تعالى من الجهات المتصوّرة
إلاّ جهة الوجوب بالذات ، وجهة البساطة الحقيقيّة التامّة ، وكلّ منهما مغائر للجهات
الموجودة في كائناته ، وهي جهة الإمكان ، وجهة التركّب ، وجهة الفناء ، وجهة
عروض العوارض عليها ، وأمثال ذلك .
فهو - جلّ وعزّ - منزّه ذاته المقدّسة عن جميع تلك الجهات ، ومبرّأ ساحة
قدسه عن المشاركة مع شيء من الكائنات في السنخيّة والتناسب ، ولا يدنسه
شيء من أصناف التركّب ، حتّى الموجود منها في الماهيّات البسيطة ، وهو التركّب
العقلي المتصوّر من الجنس والفصل ، في مثل النور والظلمة ، والعقل والنفس ،
ونظائرها من البسائط ، فضلا عن التركّب الخارجي من المادّة والصورة الموجود