فإنّهم بحسن الاختيار * ممحّضون في رضاء الباري
شرح
حتّى عن النبيّ الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما عرفت في باب النبوّة ، فضلا عن خلفائه
المعصومين .
وقد عرفت فساد ذلك هناك ، باعتبار أنّ الملائكة على عصمتهم وعلوّ شأنهم
لم تركّب فيهم الشهوات الحيوانيّة ، وأنّهم قد استغنوا بذلك عن مجاهدة النفس
ودفع شهواتها ، واستراحوا عن مدافعة شياطين الجنّ والإنس ، وذلك مع عدم
حصول التعب ولا الملل لهم بطول العبادة ، وأين هم عن الأنبياء وأُولئك الأئمّة
الطاهرين الّذين هم بظاهر البشريّة لا يستغنون عن لوازمها ؟ وهم مجدّون في
جهاد النفس ودفع شهواتها .
« فإنّهم بحسن الاختيار » منهم من غير جبر ولا اضطرار في الطاعة أو في
حصول العصمة لهم « ممحّضون في » تحصيل « رضاء الباري » تعالى في سائر
أوقاتهم ، في ليلهم ونهارهم ، لا يفترون عنه من مبتدأنشأتهم إلى نهاية حياتهم
الدنيويّة ، وقد نالوا سامي درجة العصمة بكثرة السعي في الطاعة والعبادة وحسن
الجهاد مع النفس والأبالسة ، فهم وإن شاركوا الملائكة المقرّبين في العصمة والطهارة ،
ولكن فرق بيّن بين مَن حصل تلك المرتبة الرفيعة بالجهد الجهيد والسعي البليغ ،
وبين من كانت تلك الدرجة العالية فطرته وجبلّته ، من غير مانع له من القيام
بمقتضاها ، ولا شهوات نفسانيّة يتعب في دحضها ، وأفضل الأعمال أحمزها ( 1 ) .
وقد استفاضت بذلك في كتب الفريقين الأحاديث المأثورة عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
وخلفائه المعصومين ، وفاقاً لحكم العقل ، فراجع في ذلك مسند ابن حنبل ( 2 )
هامش
( 1 ) انظر البحار 70 : 191 .
( 2 ) مسند أحمد 1 : 331 فيما روي في فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ما يدلّ على المطلوب .