شرح
الواجب ، ويندفع بأيّ منها محذور الاندراس والتغيّر والنسيان ، فكذلك أيضاً
يكون وجوده لغواً صرفاً ، وذلك لتماميّة الحجّة على الخلق بسبب تمكّنهم من
تحصيل ما يوجب سقوط العقاب عنهم ، من غير حاجة إلى الحجّة الغائب ،
وتحصيل الأحكام الواقعية منه كما في العصر الحاضر ، وانقطاع الخلائق عن
الوحي والنبيّ والإمام ، مع إجماع الأُمّة على بدليّة الأحكام الظاهرية المستنبطة
من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل بالظنّ والاجتهاد عن تلك الأحكام الواقعية ،
وكفايتها عنها وإن فرض خطأ المجتهد فيها ، وحصول الاختلاف بينهما .
وعليه ، فاللطف منه تعالى بسببها حاصل ، والحجّة منه تامّة بلا توقّف شيء
منهما على وجود نبيّ أو إمام غائب .
والجواب : أنّ كلّ ذلك ليس إلاّ مغالطة محضة ، فإنّ ذلك إنّما يرد على دعوى
وجوب اللطف لو أُريد منه الوجوب التكويني ، وحفظ الأحكام الشرعية قهراً على
العباد ، فعندئذ يمكن أن يعترض عليه بذاك التطويل الواهي بما ملخّصه : إنّ الغيبة
مناف بل مناقض له على تقدير إرادة الأحكام الواقعية ، أو إنّ وجوده لغو على
تقدير إرادة الأعمّ منها .
ولكنّك قد عرفت آنفاً - على ما أشرنا إليه في باب النبوّة - أنّ الوجوب
المدّعى في اللطف هو وجوبه عليه تعالى تشريعاً ، بمعنى أنّه يجب عليه سبحانه
بحكم العقل نصب خليفة عنه بين خلقه نبيّاً كان أو إماماً يكون وجوده حجّة منه
تعالى عليهم ، مع اقتران النصب بإيجاب الرجوع إليه ، فإنّ ذلك بنفسه فقط هو
وظيفة المولويّة ، وبه تتمّ الحجّة ، وبه يؤدّى واجب اللطف .
وأمّا عدم حصول التبليغ خارجاً لمانع خارجي - كعصيان العبيد للمنصوب ،
أو عدم تمكّنهم من الوصول إليه بسبب انتشار الجور والطغيان بينهم بسوء
اختيارهم ، بحيث لولا ذلك لأمكنهم التشرّف بلقياه ، ولم يكن يبق موجب آخر
لاختفائه ، ولكان عندئذ ظاهراً مشهوراً وحاضراً مشهوداً - فهو غير مناف