ألم يغب يونس عن أُمّته * وهل أتاه القدح من غيبته
شرح
سوى ذلك لكفى به موجباً وسبباً للصبر عن الأعادي ، وإمهالهم في الحياة الدنيويّة ،
فضلا عمّا لو انضمّ إلى ذلك مصالح أُخرى ، وموجبات خفيّة غيرها مكنونة في
علمه تعالى .
ولذلك كلّه ترى كثيراً من الأنبياء قد اختفوا دهراً طويلا عن كفّار قومهم ،
وهربوا وغابوا مدّة متمادية عن أشرار أُممهم .
« ألم يغب يونس » النبيّ « عن أُمّته » عشرين سنة ( 1 ) حتّى تضايقوا بغيبته في
المأكل والمشرب ، وأشرفوا على الهلاك ؟ « وهل أتاه القدح » أو أصابه النقص في
نبوّته « من غيبته » ؟ أو هل يتوجّه عليه بذلك اعتراض بعد العلم والتسالم على
كونهم معصومين من كلّ خطأ ومعصية ؟ وأنّهم لا يأتون بحركة ولا سكون إلاّ بأمر
ربّهم تعالى ، وأنّهم ( عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) ( 2 ) .
ومن هنا يُعلم أنّ اعتراضات بعض النصّاب الملحدين على الفرقة الإماميّة في
اعتقادهم ، واتّفاقهم على وجود هذا الإمام الثاني عشر وغيبته عن الأنظار ،
وانتقادات أُولئك المنافقين على تلك الفرقة المحقّة من وجوه شتّى لم تنشأ إلاّ من
الجهل والعناد ، أو من التعامي والإلحاد ، وأنّ عمدة ما نهقوا به في مقام الاعتراض
أُمور ثلاثة ، استندوا فيها إلى مجرّد الاستبعاد ، من غير دليل ولا برهان :
أحدها : طول عمره بما ينوف على ألف سنة إلى العصر الحاضر .
وثانيها : عدم إمكان غيبته عن الأبصار ، مع عدم استغنائه عن لوازم البشرية
من المأكل والمشرب والمسكن وأمثالها .
وثالثها : من جهة عدم الفائدة في وجوده مع استتاره واختفائه ( عليه السلام ) .
هامش
( 1 ) انظر قصصه في بحار الأنوار 14 : 379 وفيه في رواية أنّه ( عليه السلام ) غاب عن قومه أربعة أسابيع .
( 2 ) الأنبياء : 26 - 27 .