شرح
فنقول : أمّا الاعتراض على فائدة وجوده مع الغيبة ، فقد تقدّمت الإشارة إليه ،
وتقدّم ذكر بعض أبيات قائلهم في ذلك مقروناً بجوابه نقضاً وحلاًّ نظماً ونثراً ( 1 ) .
ونزيدك في المقام وضوحاً بزيادة ما ألحقه بعض آخر من النصّاب لذلك
الاعتراض ، فقال ما ملخّصه : إنّ وجوب اللطف على الله تعالى بعد تسليمه
- وتسليم أنّ ذلك لا يتمّ إلاّ بوجود حجّة منه تعالى يكون بشراً وكتاباً ناطقاً بين
خلقه يبيّن لهم أحكامه ، ويعرّفهم حلاله وحرامه - إنّما يتمّ ذلك ويتحصّل المطلوب
منه مع ظهوره واشتهاره بينهم ، واختلاطه بهم ، ومعاشرته معهم ، حتّى يتعلّموا منه ما
يحتاجون إليه في أُمور دينهم ودنياهم .
وأمّا مع اختفائه وغيبته فلا يتمّ ذلك ، ويكون وجوده لغواً صرفاً مع عدم
إمكان الوصول إليه ، وعدم تمكّن أخذ معالم الدين منه ، والمحافظة عليها بتعاليمه
وأمره ونهيه ، حذراً من اندراسها ، وخوفاً من نسيان ما تعلّموا منها .
هذا ، مع أنّه إن كان المراد من الأحكام الّتي يجب تعلّمها والعمل بها لسقوط
التكليف بها ، وحصول البراءة منها ، ويتحذّر عليها من الاندراس والنسيان
والتحريف والتبديل : هو خصوص الأحكام الواقعية المجعولة من الله تعالى فقط ،
الّتي لا يمكن تحصيلها إلاّ من شخص الحجّة نبيّاً كان أو إماماً ، بحيث لا ينوب
عنها في سقوط التكليف وحصول البراءة منه ما يتحصّل من ظواهر الكتاب والسنّة
والأُصول اللفظية وأدلّة الفقاهة والأُصول العمليّة ، ولا يكتفي بذلك شرعاً للتخلّص
من العقوبة الإلهيّة .
فواضح أنّ غيبته مناف لواجب اللطف ، وناقض له ، وموجب لعدم تماميّة
الحجّة منه تعالى على خليقته ، ويكون وجود الغائب المستور لغواً صرفاً .
وإن كان المراد منها ما هو أعمّ من الأحكام الواقعية والظاهرية المستفادة
بالظنّ والاجتهاد من الأدلّة الأربعة ، بحيث يكتفى بكلّ منها في ثبوت اللطف
هامش
( 1 ) راجع ص 130 .