وهي لمن بها تحلّى حليه * وبغية ومُنية وغنيه
ولا ينال المرؤ فضل الصُحبه * إن يكن الشيطان أعمى قلبه
وما على المدح من الكتاب دلّ * لا يقتضي صونهم من الزلل
فإنّ مدحهم على الإيمان * لا يمنع الذمّ على العصيان
شرح
يفيد « لكلّ من قام بحقّ الصُحبة » ولم يضيّعها بالنفاق أو الارتداد « وهي لمن » فاز
« بها » و « تحلّى » بحُليّها « حليةٌ » وزينةٌ « وبغيةٌ » لمبتغي الحقّ والرشاد « ومُنيةٌ »
لمؤمّل الجنّة والأجر والسداد « وغنيةٌ » وخلاصٌ من شدائد يوم المعاد .
« ولا ينال المرؤ فضل » تلك « الصُحبة » القيّمة الشريفة « إن يكن الشيطان أعمى
قلبه » بحُبّ الجاه والمال ، والانغمار في الشهوات ، وإنّ من الواضح أنّ ما نزل من
تلك الآيات في فضلهم « وما على المدح » لهم « من الكتاب دلّ » فإنّما هو من جهة
إيمانهم ، فإنّ تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلّية على ما اشتهر عند الكلّ ( 1 ) .
وإنّ ما أخبر به لهم فيها من الفلاح ، وإعداد الجنّات والخيرات ، وثبوت الرضا
منه تعالى والقُرب وأمثالها ، لم يرتّب شيء منها على مجرّد الصُحبة فقط مطلقاً ، بل
على اتّصافهم بالإيمان والمسابقة إليه ، كما هو واضح ، كوضوح أنّ إيمانهم المسبّب
للمدح « لا يقتضي صونهم » وعصمتهم أبد الدهر « من الزلل » والعصيان ، حتّى في
عصر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأيّام حياته ، فضلا عن صونهم بذلك عن الارتداد بعد وفاته .
« فإنّ مدحهم على الإيمان » بما هو هو « لا يمنع الذمّ على العصيان » لعدم التمانع
بين وجوديهما بدواً وختماً ، وسيّما مع تهاجم الشهوات . ويتحصّل من ذلك كلّه أنّ
المدح والثناء منه تعالى معلول للإيمان ، يدوم بدوامه ، ويفنى بفنائه ، وليس حدوث
الإيمان علّة لبقائه ، ولا للعصمة عن الذنوب ، وعليه فلا تزاحم بين الإيمان وبين
ارتكاب بعض الذنوب ، كما لا تلازم بين حدوثه وبقائه ، ولا تنافي بين المدح على
أحدهما والذمّ على الآخر منهما ، فلا وحشة من القول بارتكاب بعضهم المعاصي
هامش
( 1 ) انظر حقائق الأُصول ( للسيّد محسن الحكيم ) 1 : 470 ، أجود التقريرات ( الخوئي ) 1 : 435 .