شرح
المكذوبة ، وقد اعترف بذلك بعض أعاظمهم ، فراجع تاريخ رواة تلك التلفيقات ( * )
هامش
( * ) فإنّ أحدهم : أبو هريرة ، الّذي أكثر البخاري وأهل نحلته من رواياتهم عنه ، وقد روى
البخاري بنفسه فيه في الجزء الأوّل من صحيحه ص 22 : أنّه قد ضجّ الناس من كثرة أحاديثه ،
واتّهموه بالوضع [ 1 ] .
وقال مسلم في صحيحه في الجزء الأوّل ص 86 : أنّ أبا هريرة أثبت التجسيم والضحك لله
تعالى في ما رواه من رواية طويلة ذكر فيها أنّ الناس يرونه كرؤيتهم للشمس والقمر .
وروى عنه في الجزء الثاني من صحيحه ص 308 خرافات تصكّ الأسماع ، من قبيل
ضرب الكليم ملك الموت حتّى فقأ عينيه عندما نزل لقبض روحه [ 2 ] وأمثال ذلك .
وقال سراج الدين البلقيني : إنّ كلّ ما تفرّد به أبو هريرة من الأحاديث فهو باطل لا يُقبل ، ثمّ
ضبط بمقتضى التاريخ والحديث جميع أوقات النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليله ونهاره ، ثمّ قال : فهذا ليله وذاك
نهاره ، ففي أيّ وقت تفرّد به أبو هريرة مع بُعده عنه في الحسب والنسب حتّى روى عنه هذه
الأخبار المتكثّرة ؟ [ 3 ] انتهى .
ولقد عدّت رواياته في صحاح القوم وغيرها فبلغت خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين ،
مع أنّه قد أسلم في السنة السابعة من الهجرة ، وكان أُمّياً في الكتابة على ما رواه البخاري في
الجزء الأوّل من صحيحه ص 20 ، فنقل عنه أنّه قال : ما من أصحاب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أحدٌ أكثر حديثاً
عنه منّي إلاّ ما كان من عبد الله بن عمر ، فإنّه يكتب وأنا لا أكتب [ 4 ] . انتهى .
وأنّه كان يقول : لولا أنّ الناس رموني بالكذب لحدّثتهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أكثر ممّا
حدّثت [ 5 ] .
وقد ألّف سيّدنا الحجّة المعاصر العاملي المولى شرف الدين - دامت بركاته - في تاريخ
حياة الرجل كتاباً مستقلاّ وسمّاه باسم الرجل : أبو هريرة ، فراجعه وأعجب من مناكير أحاديثه
وأكاذيبه [ 6 ] .
فمنها : حديث نزول الربّ تعالى في كلّ ليلة إلى السماء الدنيا [ 7 ] .
ومنها : أنّ جهنّم لا تمتلي حتّى يضع الله رجله فيها [ 8 ] .
ومنها : أنّ الله خلق آدم على صورته وطوله ستّون ذراعاً [ 9 ] .
ومنها : أنّه تعالى يأتي هذه الأُمّة يوم القيامة في غير صورته الّتي يعرفونه ، ويقول لهم : " أنا
ربّكم " فيكذّبونه ويستعيذون بالله منه ، ثمّ يأتيهم بصورة يعرفون فيُعيد قوله ، فيصدّقوه [ 10 ] .
ومنها : خرافات نسبها إلى المعصومين من الأنبياء [ 11 ] وادّعى غضب الله تعالى عليهم بها ممّا
ينزّه عنه أدنى مسلم ، فضلا عمّن عصمهم الله تعالى من كلّ شين ومعصية .
ومنها : ما تزلّف به إلى بني أُميّة وملوك عصره وأعوانهم [ 12 ] ممّا تضحك به الثكلى .
ومنها : ما لا يسع المقام الإشارة إليها ، فضلا عن ذكرها ، وإنّما يجلّ الحبر والورق والعمر عن
التحديث بها ، فعليه كذبه عامله الله بعدله .
هذا ، مع ما ذكره في الاستيعاب وغيره من دناءة حسبه ، ولئامة نسبه ، وشدّة جهله وغباوته
ونسيانه ، فكان يحدّث يوماً بحديث وينكره يوماً آخر ، ويحدّث بما يناقضه [ 13 ] .
ولم يعرف له اسم في الجاهليّة ولا في الإسلام ، وإنّما كُنّي بأبي هريرة لما كان عنده من هرّة
صغيرة يلعب بها على ما ذكره ابن قتيبة وغيره [ 14 ] وكذا الفيروزآبادي في قاموسه [ 15 ] ولم يكن
تظاهره بالإسلام عصر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلاّ ثلاث سنين ، فكيف حاوي تلك الأحاديث الجمّة ، مع أنّ
عائشة على شدّة اتّصالها بالنبيّ وملازمتها له في السفر والحضر والخلأ والملأ وطول معاشرتها له
لم يزد جميع ما عدّ من أحاديثها عنه على 2210 [ 16 ] .
وكذا سائر الصحابة : كالشيخين ، وابن عمر ، وأنس ، وأمثالهم ، مع كونهم أسبق منه إسلاماً
وأكثر منه ملازمة للنبيّ . فإنّ جميع ما رُوي عن أبي بكر على ما عدّه الحفظة مائة واثنان وأربعون
حديثاً [ 17 ] وكلّ ما أُسند إلى عمر خمسمائة وتسعة وثلاثون [ 18 ] وكلّ ما لعثمان مائة وستّة وأربعون [ 19 ]
وكلّ ما رووه عن عليّ ( عليه السلام ) خمسمائة وستّة وثمانون [ 20 ] ومجموعها ألف وأربعمائة وأحد عشر حديثاً .
وذلك كلّه يقرب من خُمس ما رواه أبو هريرة .
ثانيهم : ابن عمر ، الّذي بايع يزيد بن معاوية طوعاً ورغبة بعد ارتكابه قتل أفلاذ الرسول ، وسبيه
عترته ، وكان يحرّض أولاده وأتباعه على الاعتصام بحبل يزيد على ما في مسند أحمد ص 121 [ 21 ] .
وروى عنه البخاري في الجزء الأوّل من صحيحه ص 117 أنّه قال : رأيت النبيّ في بيت
حفصة على الغائط مستدبر القبلة [ 22 ] بعد ما روى في نفس صحيحه ص 26 عن النبيّ حرمة
استقبالها واستدبارها عند الغائط [ 23 ] وقد اتّفقت الأُمّة على ذلك أيضاً [ 24 ] .
ثالثهم : عائشة ، وسيأتيك بيان بعض أحوالها عند تعرّض السيّد له إن شاء الله تعالى .
رابعهم : أبو موسى الأشعري ، الّذي كان مشتهراً بانحرافه عن عليّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكراهته
له ، وشماتته بالحسن السبط ( عليه السلام ) في مرضه عند عيادة الأشعري له [ 25 ] .
خامسهم : أنس بن مالك ، الّذي كتم الشهادة بوقعة الغدير ، ودعا عليه عليّ ، فأُصيب بالبرص
والعماء [ 26 ] .
سادسهم : عمران بن حطّان الخارجي ، الّذي مدح قاتل عليّ بقوله :
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها * إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره يوماً فأحسبه * أوفى البريّة عند الله ميزانا
لله درّ المرادي الّذي سفكت * كفاه مهجة شرّ الخلق إنسانا
أمسى عشيّة غشاه بضربته * ممّا جناه عن الآثام عريانا [ 27 ]
إلى غير ذلك من كفريّاته ، لعنه الله تعالى .
سابعهم : عكرمة مولى ابن عبّاس ، وكان أيضاً خارجياً كذوباً ، يضرب به المثل على ما حكاه
ابن خلّكان في تاريخه [ 28 ] والشهرستاني في ملله ونحله [ 29 ] وقد كذّب أحاديثه العطاء [ 30 ] ويحيى
ابن سعيد [ 31 ] ومالك [ 32 ] وابن سعد [ 33 ] .
وروى ابن حجر كذبه على ابن عبّاس [ 34 ] .
وقال قاسم : إنّ عكرمة كذّاب يحدّث غدوة بحديث يخالفه عشية [ 35 ] .
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب : إنّ أيّوب أنكر صلاته ، وأنّه لمّا مات تركت جنازته على
باب المسجد ، لم يصلّ عليها أحد من الناس ، ولم يشهدها إلاّ السودان [ 36 ] .
ثامنهم : سمرة بن جندب الخارجي ، أحد ولاة معاوية ، وقد قتل ثمانية آلاف من المسلمين ،
فيهم أربعون رجلا قد جمع كلّ منهم القرآن كلّه ، وأنّ أمره في سفك الدماء لمشهور [ 37 ] .
وروى ابن حنبل في الجزء الأوّل من مسنده ص 25 أنّه كان يبيع الخمر أيّام خلافة عمر [ 38 ]
إلى غير ذلك ممّا ورد في طعنه .
تاسعهم : المغيرة بن شعبة المشتهر لدى العموم بالكذب والفسق والفجور [ 39 ] هؤلاء وأضرابهم
رواة أحاديث صحاح القوم ، وخصوصاً البخاري المعاند المبغض لأمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) ،
وصحيحه أوثق لدى القوم من سائر صحاحهم ، وأُولئك رواة ما في مجلّداته الأربعة من كتابه ،
وهم المعوّل عليهم لديه في أحاديثه ، وهم أصدق وأوثق عنده من أحاديث الصادقين ، عترة
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وذرّيته المعصومين .
ولذلك لم يذكر في شيء من مجلّدات تأليفه ما يُستشمّ منه أدنى فضل ومنقبة
لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأبنائه الطاهرين خلفاء الرسول ، وأفلاذ كبد البتول . . . فحشره الله تعالى
مع مواليه ، وعامله بعدله يوم يلاقيه .
ولقد أنصف وأجاد أحد أعلامهم ، وهو أبو بكر بن شهاب الدين حيث أنشد فيه :
قضيّةٌ أشبه بالمرزئه * هذا البخاري إمام الفئة
بالصادق الصدّيق ما احتجّ في * صحيحه واحتجّ بالمرجئه
ومثل عمران بن حطّان أو * مروان وابن المرأة المخطئه
مشكلة ذات عوار إلى * حيرة أرباب النُهى ملجئه
وحقّ بيت يمّمته الورى * مغذّة [ 40 ] في السير أو مبطئه
إنّ الإمام الصادق المجتبى * بفضله الآي أتت منبئه
أجلّ مَن في عصره رتبةً * لم يقترف في عمره من سيّئه
قلامة من ظفر إبهامه * تعدل من مثل البخاري مئه [ 41 ]
اللّهمّ والِ من والى عليّاً ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، كما دعا له
بذلك نبيّك المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
[ 1 ] صحيح البخاري 1 : 40 باب حفظ العلم .
[ 2 ] صحيح مسلم 4 : 1842 / 2372 .
[ 3 ] لم نعثر عليه بهذه العبارة ، وانظر ما حكاه عنه في الروض النظير ( فارس حسون ) : 185 .
[ 4 ] صحيح البخاري 1 : 39 باب كتابة العلم وفيه : عبد الله بن عمرو .
[ 5 ] انظر صحيح مسلم 3 : 1660 / 2098 ، وكتاب شيخ المضيرة أبو هريرة ( أبو ريّة ) : 121 .
[ 6 ] أبو هريرة : 83 فما بعد .
[ 7 ] صحيح البخاري 8 : 88 باب الدعاء نصف الليل كتاب الدعوات .
[ 8 ] صحيح البخاري 6 : 173 تفسير سورة " ق " .
[ 9 ] صحيح البخاري 8 : 62 كتاب الاستئذان باب بدو السلام .
[ 10 ] صحيح البخاري 8 : 147 كتاب الرقاق باب الصراط جسر جهنم .
[ 11 ] صحيح البخاري 7 : 50 كتاب النكاح باب قول الرجل : لأطوفنّ الليلة . . .
[ 12 ] انظر شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي : 206 وأبو هريرة ( شرف الدين الموسوي ) : 122 فما بعد .
[ 13 ] الاستيعاب 4 : 205 .
[ 14 ] المعارف ( لابن قتيبة ) : 278 ، والاستيعاب 4 : 205 ، أُسد الغابة 6 : 314 .
[ 15 ] القاموس 2 : 166 ( هره ) .
[ 16 ] تاريخ الخلفاء ( السيوطي ) : 86 ، الملل والنحل ( لابن حزم ) 3 : 60 ، وتهذيب الأسماء 2 : 351 .
[ 17 ] تاريخ الخلفاء ( السيوطي ) : 86 ، الملل والنحل ( لابن حزم ) 3 : 60 ، وتهذيب الأسماء 2 : 351 .
[ 18 ] تاريخ الخلفاء ( السيوطي ) : 109 ، الملل والنحل ( لابن حزم ) 3 : 61 ، أبو هريرة ( شرف
الدين الموسوي ) : 51 .
[ 19 ] تاريخ الخلفاء ( السيوطي ) : 148 ، تهذيب الأسماء 1 : 322 .
[ 20 ] أبو هريرة ( شرف الدين الموسوي ) : 51 ، تاريخ الخلفاء ( السيوطي ) : 167 .
[ 21 ] مسند أحمد 2 : 48 والطبقات الكبرى ( ابن سعد ) 4 : 183 .
[ 22 ] صحيح البخاري 1 : 49 باب التبرز في البيوت ، وج 4 : 100 باب ما جاء في بيوت أزواج النبي .
[ 23 ] صحيح البخاري 1 : 48 باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلاّ عند البناء جدار أو . .
[ 24 ] انظر موطّأ مالك 1 : 193 ، نيل الأوطار 1 : 94 ، تحفة الأحوذي 1 : 56 ، ومن الشيعة الشيخ
في الخلاف 1 : 101 .
[ 25 ] مسند أحمد 1 : 81 ، وصدر من مركز المصطفى تحقيق حول أبي موسى الأشعري فلاحظ .
[ 26 ] انظر تعليقتنا عليه في ج 1 ص 392 الهامش 1 . وزيادة على ما ذكرنا هناك انظر المناقب
( ابن مردويه ) : 176 .
[ 27 ] انظر الكامل ( المبرد ) 2 : 144 ، ديوان شعر الخوارج : 164 ، تاريخ مدينة دمشق 43 : 496 .
[ 28 ] انظر وفيات الأعيان 3 : 265 بتفاوت .
[ 29 ] الملل والنحل 1 : 218 عدّه من الخوارج .
[ 30 ] حكاه عنه ابن حجر في مقدّمة فتح الباري : 425 .
[ 31 ] الضعفاء الكبير 3 : 373 ، تهذيب الكمال 20 : 282 ، ميزان الاعتدال 3 : 94 .
[ 32 ] الكامل في ضعفاء الرجال 5 : 1905 ، تهذيب الكمال 20 : 287 و 288 ، سير أعلام النبلاء
5 : 30 ، تهذيب التهذيب 7 : 269 - 270 .
[ 33 ] محمّد بن سعد صاحب كتاب المعروف : الطبقات الكبرى 5 : 293 .
[ 34 ] تهذيب التهذيب 7 : 269 / 475 .
[ 35 ] حكاه عنه ابن حجر في مقدّمة فتح الباري : 425 .
[ 36 ] تهذيب التهذيب 7 : 271 / 475 .
[ 37 ] انظر الغدير 11 : 29 ، تاريخ الطبري 4 : 176 ، شرح نهج البلاغة ( ابن أبي الحديد ) 4 : 77 - 79 .
[ 38 ] مسند أحمد 1 : 25 ، وانظر سنن الدارمي 2 : 115 .
[ 39 ] انظر شرح نهج البلاغة ( ابن أبي الحديد ) 4 : 69 و 71 و 20 : 23 ، أُسد الغابة 2 :
608 / 2379 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 146 ، المجموع ( النووي ) 20 : 223 ، الغدير 6 : 138 .
[ 40 ] مغذّة : مسرعة .
[ 41 ] انظر النصائح الكافية : 119 ، وشرح إحقاق الحقّ 1 : 19 .