والمنع من ثانيهما منّا فلا * يوجب في لطف الوجود خللا
شرح
اهتدائه أو اهتداء غيره ، أو رجاء خروج جماعات كثيرة من المؤمنين من أصلابهم ،
كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم . هذا ، مع تماميّة الحجّة بذلك على المعاندين .
« و » حيث قد عرفت أنّ كلاّ من النصب والتصرّف حسنٌ برأسه ، وموجبٌ
مستقلّ لمرتبة اللطف : تبيّن لك أنّ « المنع من ثانيهما » - وهو التصرّف - لم يكن إلاّ
بسبب نشأ « منّا » وهو خذلاننا له ، وقعودنا عن نصرته ، وتجافينا عن واجب
طاعته ، وذلك لا يستلزم المنع ، ولا توقيف الواهب تعالى عن أوّل اللطفين « فلا »
يلزم من انتفاء التصرّف انتفاء حسن النصب ، ولا « يوجب » ذلك « في لطف الوجود
خللا » وإلاّ لزم الخلل - والعياذ بالله - في نبوّة كثير من الأنبياء ، الّذين أخفوا
دعوتهم خوفاً من أُممهم ، أو هربوا إلى البراري ورؤوس الجبال وظُلَم المغارات ( 1 )
حذراً من شرّهم ، على ما هو مذكور في التواريخ والأحاديث من شرح أحوالهم .
وفي طليعتهم نبيّنا الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حين اختفى في شعب أبي طالب ( عليه السلام ) أربع
سنوات ، وفي الغار عند هجرته إلى المدينة ثلاثة أيّام ، ثمّ خرج من مكّة المكرّمة
هارباً متستّراً ( 2 ) بل مقتضى ما صحّ عنه من قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " كنت نبيّاً وآدم بين الماء
والطين " ( 3 ) ثبوت نبوّته قبل بعثته ، ولكنّه كان متخفيّاً بذلك إلى أن بلغ الأربعين سنة
من عمره الشريف .
وفي ذلك يقول سيّدنا الحجّة المعاصر الأمين السيّد محسن العاملي الدمشقي
دامت بركاته جواباً عن اعتراض بعض النصّاب على اختفاء الحجّة المنتظر ، حيث
هامش
( 1 ) انظر كمال الدين وتمام النعمة 1 : 127 - 159 ، قصص الأنبياء ( الراوندي ) : 74 و 151 في
ذكر إدريس ( عليه السلام ) .
( 2 ) انظر قصص الأنبياء ( الراوندي ) : 335 ، بحار الأنوار 19 : 1 - 103 .
( 3 ) المناقب ( ابن شهرآشوب ) 1 : 214 في اللطائف ، المستدرك ( الحاكم ) 2 : 609 ، تحفة
الأحوذي 7 : 111 ، باختلاف يسير في الأخيرين .