وهل ترى صدّ الأُولى ضلّوا يخل * بمَن من الله خليفة جعل
شرح
إرادته ، والعياذ بالله ، وقد قال سبحانه في ذلك : ( يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم
ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون ) ( 1 ) ( ولو كره المشركون ) ( 2 ) .
( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة ) ( 3 ) .
( وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) ( 4 ) .
« وهل ترى » أنّ « صدّ الأُولى » أي : منع أُولئك الّذين « ضلّوا » عن الحقّ ،
وظلموا أهل الحقّ بمنعهم عن إظهار الحقّ : يوجب سقوط المناصب الإلهيّة ،
و « يخلّ » أو يضرّ « بمَن » كان « من الله خليفة » في خليقته ؟ و « جعل » منه تعالى نبيّاً
أو إماماً ، ولو صحّ ذلك لزم عدم ثبوت النبوّة للأنبياء ، أو الولاية والوصاية
للأوصياء ، إلاّ بعد سيطرتهم وجريان أحكامهم بين رعاياهم ولزم أيضاً اختصاص
نبوّتهم وولايتهم بالمطيعين لهم ، دون المخالفين لهم المتمرّدين عنهم .
وعليه ، فلا يكون أبو بكر إماماً على الّذين امتنعوا عن البيعة له ، أو عن دفع
الزكاة إليه ، وعندئذ كيف جاز له قتالهم وإلزامهم بالبيعة له ، أو بدفع الزكاة إليه ؟
على ما تقدّم شرح ذلك ( 5 ) .
وكذا لزم سقوط عثمان عن إمامته للمسلمين عند سقوط سيطرته عليهم ،
واجتماعهم على قتله بعد محاصرتهم داره ثلاثة أيّام ، وحينئذ كيف يحكم بفسق
مخالفيه ، أو بكفر قاتليه ؟
بل لزم بناءً على الشرط المذكور ما هو أعظم من كلّ ذلك ، وهو نسبة العبث أو
الخطأ إلى الله تعالى - والعياذ بالله - في إرساله رُسُلا قد علم أزلا بعدم حصول السيطرة
والقوّة لهم ، وعدم جريان حكمهم في أُممهم ، كنوح ولوط وسائر الأنبياء .
بل لزم بناءً على الشرط المذكور سقوط ما تصافق عليه الكلّ من كلام
هامش
( 1 و 2 ) التوبة : 32 - 33 .
( 3 ) الأحزاب : 36 .
( 4 ) القصص : 68 .
( 5 ) تقدّم في ص 32 .