شرح
المستفيضة ، والأخبار الموثّقة المتظافرة .
ثمّ بعد تلك العبادات الخالصة لله تعالى في تلك الأمكنة المتبرّكة الّتي هي مهابط
الملائكة المقرّبين ، ومطاف الكرّوبيّين المقدّسين يتوسّلون بتلك الذوات القدسيّة
الراقدين فيها الّذين هم : ( أحياء عند ربّهم يرزقون ) ( 1 ) رجاء شفاعتهم ، وسؤالهم
المغفرة من الله تعالى لزوّارهم وخدّامهم ، المتوسّلين بهم ، المستغفرين من ذنوبهم
على ما وعدهم الله تعالى به ، وخاطب نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بذلك بقوله سبحانه : ( ولو أنّهم إذ
ظلموا أنفسهم جاءُوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً ) ( 2 ) .
وورد في السنّة أيضاً خطابه تعالى له بقوله جلّ وعزّ : اشفع تُشفع ( 3 ) أنت أوّل
شافع ( 4 ) وأوّل من تُقبل شفاعته ( 5 ) .
وإنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن ذُكر من خلفائه وإن كانوا بظاهر الحال خرجوا من الدنيا ،
ودفنوا في مراقدهم المتبرّكة ، ولكنّهم كما ذكر في قوله تعالى : ( أحياء عند ربّهم )
أي : بحواسّهم ومشاعرهم وتصرّفاتهم في عالم الإمكان بإذن ربّهم ، وهم باقون
على ما كانوا عليه في دار الدنيا من القدرة بإذن الله تعالى على إبداء الكرامات ،
وفعل المعاجز ، وإعانة المضطرّ والعاجز ، من غير أن يحدث الموت فيهم نقصاً في
إحاطتهم بالعوالم ، وهم قطب دائرتها أحياءً وأمواتاً ، وبهم تُدفع البلايا عن العباد ،
كما قال تعالى : ( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) ( 6 ) .
ولا فرق في ذلك بين حيّهم وميّتهم ، وأنّهم يطّلعون على أعمال العباد ،
ويسمعون كلامهم ، ويردّون عليهم سلامهم ، ويشفعون إلى ربّهم تعالى لكشف
كربهم ، وإنجاح مطالبهم ، وإعطائه تعالى حوائجهم ، واستجابته دعواتهم ، وغفرانه
هامش
( 1 ) آل عمران : 169 .
( 2 ) النساء : 64 .
( 3 ) بحار الأنوار 8 : 46 ، مسند أحمد 2 : 436 ، صحيح مسلم 1 : 181 / 322 .
( 4 ) انظر مجمع الزوائد 9 : 30 ، المعجم الكبير ( الطبراني ) 3 : 63 .
( 5 ) قال في مجمع البحرين 4 : 354 : وفي الخبر : " أنت أوّل شافع وأوّل مشفّع " أي : أنت أوّل من
يشفع وأوّل من تقبل شفاعته .
( 6 ) الأنفال : 33 .