تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
شرح
الفخر له إنّما يكون مع جهله بالغيب وعدم علمه بما قدّر له من السلامة ، وذلك لا يجامع دعواه أنّ الإمام يعلم الغيب ، وذلك واضح ( 1 ) . والجواب ما عرفت ، من أنّه كان عالماً ببعض الغيب ، وهو المسطور في لوح المحو والإثبات ، وهو سلامته من القتل في تلك الليلة ، ولكنّه مع ذلك كان الجائز في نفسه مغائرة ما عَلِمه لما هو المقدّر أزلا ، بإمكان كون سلامته تلك معلّقاً ومشروطة بشرط مستور عنه ، ولم يعلمه ، فيكون المقدّر له في ليلته القتل والهلاك بالبداء الصحيح منه تعالى ، فوطّن نفسه على ذلك ، ولم يبال بهلاكه نفسه الشريفة مع سلامة النفس المقدّسة النبويّة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وهذا هو غاية الجود والشهامة والمفاداة الحقيقية ، وله بذلك أقصى مراتب الفخر والنبالة ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود . وبذلك باهى الله تعالى ملائكته ، وبمؤاساته اعتجبت الروحانيّون ، وبمفاداته أدهشت الكروبيّون ، وفي شأنه نزل يومئذ قوله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) ( 2 ) . وحاصل الكلام : أنّ البداء بالمعنى المذكور أمرٌ صحيحٌ معقولٌ واضح ، لا وحشة في نسبته إليه تعالى ، ولا محذور فيه أصلا ؛ لكونه بمعنى إظهاره ما هو المكنون في علمه ، بعد إخفائه ذلك مدّةً لمصالح هناك ، وحِكَم كثيرة ، على ما أشرنا إليه ، وأنّ ذلك من غاية لطفه تعالى بعبيده ، وشفقته عليهم . نعم ، إنّ الممتنع الّذي يُجلّ عنه الربّ تعالى هو ظهور الشيء له بعد الخفاء عليه ، وحصول العلم له به بعد الجهل به ، على ما هو المعنى الآخر للبداء ، كما عرفت ، وتعالى ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً ، وأنّ الشيعة الإماميّة بريئون إليه تعالى من القول بذلك ، وأنّهم منزّهون عن الافتراء عليهم به ، وحسبهم الله تعالى ، وهو سبحانه لهم نعم الكفيل ، ونعم المولى ، ونعم النصير .
هامش
( 1 ) انظر الصواعق المحرقة : 30 - 31 . ( 2 ) البقرة : 207 .