شرح
الفخر له إنّما يكون مع جهله بالغيب وعدم علمه بما قدّر له من السلامة ، وذلك
لا يجامع دعواه أنّ الإمام يعلم الغيب ، وذلك واضح ( 1 ) .
والجواب ما عرفت ، من أنّه كان عالماً ببعض الغيب ، وهو المسطور في لوح
المحو والإثبات ، وهو سلامته من القتل في تلك الليلة ، ولكنّه مع ذلك كان الجائز
في نفسه مغائرة ما عَلِمه لما هو المقدّر أزلا ، بإمكان كون سلامته تلك معلّقاً
ومشروطة بشرط مستور عنه ، ولم يعلمه ، فيكون المقدّر له في ليلته القتل والهلاك
بالبداء الصحيح منه تعالى ، فوطّن نفسه على ذلك ، ولم يبال بهلاكه نفسه الشريفة مع
سلامة النفس المقدّسة النبويّة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وهذا هو غاية الجود والشهامة والمفاداة الحقيقية ، وله بذلك أقصى مراتب
الفخر والنبالة ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود .
وبذلك باهى الله تعالى ملائكته ، وبمؤاساته اعتجبت الروحانيّون ، وبمفاداته
أدهشت الكروبيّون ، وفي شأنه نزل يومئذ قوله تعالى : ( ومن الناس من يشري
نفسه ابتغاء مرضات الله ) ( 2 ) .
وحاصل الكلام : أنّ البداء بالمعنى المذكور أمرٌ صحيحٌ معقولٌ واضح ،
لا وحشة في نسبته إليه تعالى ، ولا محذور فيه أصلا ؛ لكونه بمعنى إظهاره ما هو
المكنون في علمه ، بعد إخفائه ذلك مدّةً لمصالح هناك ، وحِكَم كثيرة ، على ما أشرنا
إليه ، وأنّ ذلك من غاية لطفه تعالى بعبيده ، وشفقته عليهم .
نعم ، إنّ الممتنع الّذي يُجلّ عنه الربّ تعالى هو ظهور الشيء له بعد الخفاء
عليه ، وحصول العلم له به بعد الجهل به ، على ما هو المعنى الآخر للبداء ، كما
عرفت ، وتعالى ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً ، وأنّ الشيعة الإماميّة بريئون إليه تعالى
من القول بذلك ، وأنّهم منزّهون عن الافتراء عليهم به ، وحسبهم الله تعالى ، وهو
سبحانه لهم نعم الكفيل ، ونعم المولى ، ونعم النصير .
هامش
( 1 ) انظر الصواعق المحرقة : 30 - 31 .
( 2 ) البقرة : 207 .