شرح
واختلفوا خلفاً عن سلف في تعريفه ، فعرّفه المتكلّمون بالثابت العين ( 1 ) أي ما
هو ثابت نفسه وعينه ، وتقابله الماهيّة الّتي لا ثبوت لها إلاّ بثبوت وجودها ، وليس
الوجود نفسها ، ولا جزء منها ، وأنّها بنفسها ليست إلاّ هي لا موجودة ولا معدومة .
ولذلك صحّ حمل كلّ من الموجود والمعدوم عليها ، فيقال مثلا : ماهيّة
الإنسان موجودة ، وماهيّة العنقاء معدومة . ولو كانت نقيضاً لأحدهما لما صحّ ذلك ،
كما لا يصحّ حمل أحد النقيضين على صاحبه .
ثمّ عرّفه الحكماء بأنّه هو الّذي يمكن أن يخبر عنه ، ويصحّ أن يسند إليه ،
ويحمل المحمول على مصداقه الذهني أو الخارجي ، ونقيضه العدم ، فلا يحمل
عليه شيء ؛ لأنّه لا شيء ولا مصداق له .
ولو فرض حمل شيء عليه صورةً كقولهم مثلا : " العدم لا يحمل عليه شيء "
فليس ذلك إلاّ نسبة المحمول إلى مفهوم اعتباري مُنتزع من نقيض الوجود ، ومثله
لا يكون في الحقيقة حملا ، حيث إنّه لا تأصّل ولا وجود للمحمول عليه كما
عرفت ، كي يُحمل عليه شيء ، ولا مصداق له بنفسه لا في الذهن ولا في الخارج
حتّى يكون موضوعاً لمحمول أصلا ، وإنّما هو أمر إضافي بحت قد يعبّر عنه بلفظ
العدم أو النقيض مثلا بالإضافة إلى الوجود المعدود نقيضاً له .
ثمّ عرّفه ثالثهم : بأنّ الموجود هو الّذي ينقسم إلى الفاعل والمنفعل أو صحّ
وقوعه فاعلا أو منفعلا ( 2 ) .
ثمّ عرّفه رابعهم : بأنّه الّذي ينقسم إلى الحادث والقديم ( 3 ) .
ويعاكسه العدم في التعريفين إلى غير ذلك من التعاريف له الّتي لا تزيده إلاّ
خفاءً وغموضاً ، مع عدم تماميّة كثير منها ، وإمكان المناقشة في جميعها بلزومها
للدور المصرّح أو المضمر ، ولا سيّما في الأوّلين منها كما يعلم بأدنى تأمّل .
هامش
( 1 ) حكاه في شرح المقاصد 1 : 296 .
( 2 ) نقله عن الفارابي في شرح المقاصد 1 : 297 .
( 3 ) نقله الغزالي في مقاصد الفلاسفة : 141 . ونقل جميع هذه الأقوال في شرح المقاصد 1 :
295 - 296 ، وكشف المراد : 12 ، والأنوار الجليّة : 53 ، واللوامع الإلهيّة : 13 .