شرح
وثبوتهما لعليّ ، لا يكون ذلك نصّاً في إرادة الأولى بالتصرّف مثل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
لاحتمال إرادة ثبوت الأولويّة له في بعض الأُمور ، كالأولويّة بالاتّباع عند
اختلاف الآراء ، أو الأولويّة بمتابعة النبيّ واختصاصه به ، أو قربه منه ، وأمثالها ، كما
قال تعالى : ( إنّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتّبعوه وهذا النبيّ والّذين آمنوا ) ( 1 )
حيث إنّ المراد منه أولويّتهم بمتابعته ، لا أولويّتهم به من نفسه .
وعليه ، فيكون المستفاد من الحديث كون عليّ أعلم وأقضى من غيره ، وأنّه
أولى باتّباع فتاويه وأحكامه في موقع التشاجر والاختلاف ، وذلك ممّا لا ينكر
ولا نزاع ولا اختلاف فيه ، بل يمكن دعوى ظهور ذلك من الحديث ، حيث إنّه كثيراً
ما يستعمل لفظ " أولى " في المحاورات ، ولا يُراد منه إلاّ الأولويّة في بعض
الأُمور ، دون السلطة على الأموال والأنفس .
ثمّ لو أنكر الظهور ، فلا أقلّ من الإمكان والاحتمال ، وكفى بذلك ناقضاً لدلالته
أو ظهوره في إرادة الخلافة الكبرى ، والإمامة والزعامة العظمى .
والجواب : ما عرفت ، من أنّ إطلاق لفظ " المولى " وظهوره في معناه الحقيقي
يثبت لدى العقلاء إرادة معنى ملازم للأولويّة التامّة بالنفوس ، فضلا عن غيرها .
ولا سيّما مع ما ذكرنا من قيام القرائن القطعيّة على ذلك ، وهي كثرة
التأكيدات ، وشدّة الاهتمام من الله تعالى في التبليغ والمسارعة ، وما أُصيب به
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الخوف من ذلك ، وما وقع منه من الحذر والتجافي من تبليغه ، ثمّ
نزوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في تلك الصحراء القفر ( 2 ) في تلك الساعة الرمضاء ، وإنشائه تلك
الخطبة الطويلة الغرّاء ، مع تكرير التوصية فيها بوصيّه ( عليه السلام ) ، ثمّ رفعه فوق رأسه
وأمره على الحاضرين بإبلاغ الغائبين ، ثمّ إقامته بجميع من معه من القبائل
والعشائر في تلك البادية ثلاثة أيّام ، وأمره للجموع كلّهم رجالهم ونسائهم بالبيعة
لعليّ ( عليه السلام ) وخطابه بإمرة المؤمنين .
هامش
( 1 ) آل عمران : 68 .
( 2 ) القفر : مفازة لا ماء فيها ولا نبات ، يقال : أرض قفر وقفرة أيضاً ، الصحاح 2 : 797 ( قفر ) .