شرح
إلى غير ذلك ممّا ورد في كتاب المناقب وسائر صحاح القوم ، وصحف
الفريقين من وجوب توقيرهم وتعظيمهم ، وحرمة مخالفتهم وعصيانهم والتقدّم
عليهم ، فإنّ كلّ ذلك كان ممّا قد سبق منه مراراً عديدة في مواضع كثيرة ، أسمعها
للحاضر والبادي كما يعرفه المتتبّع .
وبذلك كلّه يندفع جواب الخصم عن الاعتراض بلزوم لغويّة كلام
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من قوله : إنّ الحديث أثبت لعليّ مزيّةً . . . الخ .
فإنّ ميز عليّ ( عليه السلام ) عن سائر المؤمنين بشدّة حُبّه لله تعالى ولرسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
وشدّة حُبّهما له أيضاً كان أمراً واضحاً لدى العموم ، قد أعلن به النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم
الأحزاب ، وفي مواقع أُخرى كثيرة .
مع أنّ ذلك لم يكن يحتاج إعلانه أو إثباته إلى شيء من تلك المقدّمات ،
ولا تلك الاهتمام ، ولم يكن مقتضياً لإنشاء تلك الخطبة الحاوية لتلك المضامين
وتلك التأكيدات ، ولم يكن التهاون في تبليغه موجباً لذهاب أتعابه هباءً منثوراً ،
ولا مستلزماً لبطلان سائر تبليغاته ورسالته أو رسالاته بصيغة الجمع على ما ذكر
في الكشّاف ( 1 ) كما دلّت عليه الآية الشريفة .
ولم يكن محذور في بيانه كي يوجب خوف النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من إبلاغه ،
ويتجافى عن الإجهار به أوّلا وثانياً ، حتّى يبشّره ربّه بالأمن والعصمة من الناس ،
ولا هو أمرٌ يكمل به الدين وتتمّ به النعمة ، على ما صرّح بذلك قوله تعالى : ( اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) ( 2 ) .
وقد صحّ نزوله يومئذ بخمسة عشرة طريقاً من الخاصّة ( قدس سرهم ) ، وستّة طرق من
العامّة .
فقد روى ذلك صدر أئمّتهم ، موفّق بن أحمد في كتاب فضائل
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بإسناده عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الكشّاف 1 : 659 .
( 2 ) المائدة : 3 .
( 3 ) المناقب : 156 / 184 .