شرح
والمنافق في قوله تعالى : ( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالّذي خلقك ) ( 1 )
( فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ) ( 2 ) ( وصاحبهما في الدنيا
معروفاً ) ( 3 ) ( يا صاحبي السجن ) ( 4 ) ( فلا تصاحبني ) ( 5 ) .
وقال المتنبّي :
ويستصحب الإنسانُ من لا يلائمُه ( 6 ) .
بل لو راجعت قصّة الغار ( 7 ) لعلمتَ أنّ تلك الصحبة أوجب للرجل أكثر شَين أو
هامش
( 1 و 2 و 5 ) الكهف : 37 و 34 و 76 . .
( 3 ) لقمان : 15 .
( 4 ) يوسف : 39 و 41 .
( 6 ) ديوان المتنبّي : 256 أوّله : وقد يتزيّا بالهوى غيرُ أهلهِ .
( 7 ) ومجمل ذلك - على ما رواه الثقات من المؤرّخين والمحدّثين - : أنّه لمّا تعاقدت وجوه
قريش على مهاجمة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في داره ، وانتخبوا من كلّ قبيلة واحداً للقيام بذلك ، وجمعوا
المنتخبين ، وقد بلغوا ما ينوف على ثلاثمائة رجل ، وفيهم أبو لهب عمّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان منتخباً
من بني هاشم ، وأحاطوا بداره في العشر الأوّل من شهر ربيع الأوّل ، من السنة الثالثة عشر من
البعثة ، وحاصروه في بيته في الليل ، كي يهجموا عليه عند طلوع الفجر ، ويقطّعوه بسيوفهم إرباً
إرباً ، حتّى يضيع دمه بين القبائل الكثيرة الّتي لا تطيق بنو هاشم أن ينتقموا منهم ، نزل الوحي
عليه بذلك ، وأمَرَه الأمين جبرئيل ( عليه السلام ) عن الله تعالى بالخروج من مكّة المكرّمة وحده ، والتستّر
في الغار بخارجها ، حتّى يأتيه الأمر من ربّه تعالى ، وأن يأمر عليّاً ( عليه السلام ) بالمبيت في فراشه .
فبعث النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالخبر إلى أصحابه المسلمين المعدودين ، وأكّد عليهم النهي عن خروجهم
من بيوتهم ، وعرّفهم أنّ الله تعالى أمَرَه بالخروج وحده ، لا يكون معه أحد سوى الأمين جبرئيل .
ثمّ عرض المبيت على وصيّه عليّ ( عليه السلام ) فاستبشر الوصيّ ( عليه السلام ) بذلك ، وقال : " أوَ تسلمنّ يا نبيّ الله
بمبيتي في فراشك ؟ قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : نعم " فازداد نشاطاً وسروراً ، وخرّ على الأرض ساجداً متعفّراً
يشكر الله ويحمده على تفدية نفسه الشريفة لنفس النبيّ المقدّسة إلى أن رفع رأسه ، وقال : " إمض
يا رسول الله لما أُمرت به ، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي ، ومرني بما شئت أكن فيه كمسرّتك
واقع منه تحت مرادك " قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " وإن أُلقي عليك شبهي ؟ قال ( عليه السلام ) : نعم " .
فخرج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في جوف الليل ، ومعه جبرئيل ( عليه السلام ) من بين صفوف المحيطين بداره ، ولم
يحسّ أحد منهم به ، وسار نحو جبل ثور .
ولمّا كان في أثناء الطريق أحسّ في ظلمة الليل بجرس من خلفه ، فأسرع في المشي حذراً
من لحوق المشركين به ، وانقطع بذلك شراكه ، وعثرت رجله بحجر ، فانفلق إبهامه ، وسال الدم منه ،
وكان أوّل دم سال من بدنه الشريف ، ولحقه الشبح وإذا هو أبو بكر ، فغضب عليه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
وعاتبه على عصيان النهي عن الخروج ، وقال : " ما أُريد أن يشعر بي أحد " وسأله عن سبب
خروجه ، فقال : يا رسول الله خشيت أن يستحلفني المشركون على لقائي إيّاك ، ولا أجد بُدّاً من
صدقهم . قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ويحك يا أبا بكر ، أو كنت فاعلا ذلك ؟ " قال : إي والله لئلاّ أُقتل أو أُحلف ،
فأحنث . قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ويحك ، فما صحبتي ليلتي بنافعتك ؟ " قال : ولكنّك يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
تَستَغِشُّني أن أنذر بك المشركين .
فعند ذلك لم يجد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بُدّاً من أخذه معه ، حذراً من أن يدلّهم عليه ، ومضى به إلى الغار .
ولمّا دخلا فيه انسدّ بابه بحجر عظيم ، ونزل عليه سريعاً بإذن الله تعالى حمامتان باضتا على
الباب من حينه وساعته ، ونسج عليه العنكبوت كذلك . هذا .
وأمّا الوصيّ ( عليه السلام ) فنام في فراش النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مشتملا ببردته الخضراء مستكيناً مطمئنّاً من
غير خوف ولا وجل ، وقد وطّن نفسه على التفدية للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وذلك بمرأى من المشركين المحيطين
به ، وهم يظنّونه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى أن أضاء الفجر ، وهجموا عليه ، فكشف الإمام ( عليه السلام ) عن وجهه .
ولمّا عرفوه جعلوا يؤلمونه بالضرب ، مستخبرين له عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يقول : " أما أنّه لو
أذن لي بالسيف لعلمتم أيّنا أشدّ وأقوى ، يا قوم هل أودعتموه عندي حتّى تطالبونني به ؟ إنّكم
أنكرتموه فهرب من بلدكم " .
إلى أن انصرفوا عنه ، وأخذوا يستفقدون النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومعهم أبو كرز الخزاعي ، وكان يقفو
الآثار ، ويعرف مواضع الأقدام ، فمضى بهم نحو الغار ، ولمّا انتهوا إليه ، ووجدوا على الباب بيض
الحمام ونسج العنكبوت لم يشكّوا في خلوّ الغار منه ، ووقفوا بأجمعهم حائرين ، ولمّا أحسّ
أبو بكر بهم من داخل الغار ارتعدت فرائصه ، وارتجفت جوانحه خوفاً وفزعاً ، وأخذ في البكاء
والجزع ، وأخذ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يسكن روعه ، ويأمره بالسكوت ، وينهاه عن الصريخ ، ويقول :
( لا تحزن إنّ الله معنا ) وهو لا يتمالك إلى أن شاهد من ثقب الباب رجلا من المشركين أنّه كشف
عورته تجاه الباب ، وجلس يبول فازداد فزعاً وجزعاً حتّى أشرف على الهلاك ، وهو يبكي برفيع
صوته ، ويقول : قد أبصرونا يا رسول الله ، والنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يشدّد عليه الأمر بالسكوت
والطمأنينة ، ويقول له : " لو أبصرونا لما استقبلونا بعوراتهم " .
إلى أن وجد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شدّة جزعه ، وعدم سكونه وسكوته ، بل وجد فيه هَمُّ الخروج
والفرار ودلالة الكفّار عليه ، فرفس برجله المباركة جانباً من الغار ، فانفلق المحلّ كالباب ،
وشاهد الرجل وراءه بحراً عظيماً متلاطم الأمواج ، فيه سفينة أو سُفن عظيمة ، فقال له
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إن دخلوا علينا الغار من الباب خرجنا نحن من هنا ، وركبنا السفينة وهربنا ثمّ
قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أتريد أن أُريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدّثون ، وأُريك جعفراً
وأصحابه في الحبشة يغوصون في البحر " [ 1 ] .
ثمّ مسح بيده الشريفة على عيني أبي بكر ، فمدّ في نظره حتّى شاهد كلّ ذلك بعينه ، ثمّ رفع
رأسه نحو السماء بأمره ( صلى الله عليه وآله ) فرأى ملائكةً من النار في الجوّ على مراكب من النار ، وبأيديهم رماح
من النار ، لا يحصون عدداً لكثرتهم ، وهم ينادون يا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) مرنا بأمرك في مخالفيك نطحطحهم .
ثمّ أخذ يتسمّع أيضاً بأمر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نداء الأرض والسماء والجبال والبحار والأفلاك ،
يقول كلّ منها : يا محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : مرنا بأمرك في أعدائك نهلكهم بالخسف والغرق والحرق
وأمثالها . يا محمّد : ما أمرك ربّك بدخول الغار لعجزك عن الكفّار ، ولكن امتحاناً وابتلاء ليخلص
الخبيث من الطيّب من عباده وإمائه ، بأناتك وصبرك وحلمك عنهم . يا محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : من وفى
بعهدك فهو من رفقائك في الجنان ( فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ) [ 2 ] وهو من قرناء إبليس
اللعين في طبقات النيران ، فعند ذلك دهش أبو بكر حيرةً وعجباً ، وأضمر في نفسه شيئاً ، ولم ير
كلّ ذلك إلاّ تعميةً ، وزعم أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . الحديث بطوله .
[ 1 ] الكافي ( الكليني ) 8 : 262 / 377 ، وانظر تاريخ اليعقوبي 2 : 39 ، الهداية الكبرى
( الخصيبي ) : 83 ، الفصول المختارة ( مصنّفات الشيخ المفيد ) 2 : 42 ، بحار الأنوار 19 : 31
فما بعد .
[ 2 ] الفتح : 10 .