ولست أدري ما أتى في الغار * بالعار يقضي أو بالافتخار
شرح
نصره الله إذ أخرجه الّذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه
لا تحزن إنّ الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها ) ( 1 ) الآية .
« و » لكنّه « لستُ أدري ما أتى في » قصّة « الغار » وصحبة الرجل للنبيّ
المختار ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « بالعار يقضي » عليه « أو بالافتخار » له ، على ما زعمه أتباعه ،
حيث إنّهم ملؤوا الطوامير ، وسوّدوا الصحف ، وقرعوا الأسماع بكون ذلك فخراً
عظيماً له بوجوه لفّقوها :
أحدها : أنّ الله تعالى سمّاه صاحباً للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في قوله : ( إذ يقول لصاحبه ) .
ثانيها : أنّه سبحانه جعله ثاني اثنين للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ثالثها : دلالة الآية على شدّة حبّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) له ، وكثرة شفقته عليه بتسليته له
في قوله تعالى : ( لا تحزن ) .
رابعها : تبشيره له بقوله : ( إنّ الله معنا ) .
خامسها : نزول السكينة عليه من الله تعالى بدعوى أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجلّ
عن الحاجة إلى ذلك ، بعد التسالم على كونه مطمئنّاً في القلب ، ساكن الجوارح
والجوانح ، غير مضطرب ولا جازع ، فلا جرم يكون المشار إليه في ضمير قوله
تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه ) هو الخليفة ، وذلك غاية الشرف له ( 2 ) .
ثمّ أضاف القوم إلى تلك الوجوه أُموراً أُخرى عقليّة مستنبطة بزعمهم :
منها : أنّ أخذ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إيّاه صاحباً له لم يكن إلاّ لشدّة أُنسه به ، وصعوبة
فراقه عليه ، وذلك أيضاً افتخار له .
ومنها : أنّ اصطحابه له وإخراجه معه إنّما كان لشدّة اهتمامه بحفظه وسلامته ،
وحذراً من إصابته بسوء ؛ لعلمه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنّ الإسلام ينثلم بفقد الخليفة ، بل ربما
هامش
( 1 ) التوبة : 40 .
( 2 ) انظر التفسير الكبير 16 : 63 و 66 .