شرح
دون الصغير غير البالغ ، والخليفة أبدع جعلها على العموم من الكفّار صغيرهم
وكبيرهم ، كما أبدع وضع الخراج على العمران والأشجار المسمّاة مجموعها
بالسواد ، وهو كلّ ما يعلو على الأرض ، فأمر بكلّ ذلك من غير سبق له ، ولا أمر به
من الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن الواضح أنّ كلّ ذلك ليس إلاّ بدعة وضلالة
وسبيلها إلى النار .
ومنها : قضيّة الشورى ، فإنّه أبدع فيها أُموراً :
أوّلها : أنّه خرج بذلك عن مذهبه ومذهب أتباعه في كون تعيين الخليفة
باختيار جمهور المسلمين ولذلك ادّعوا إجماعهم على تعيين صاحبه الخليفة
الأوّل ( 1 ) كما خرج به أيضاً عن مذهب أهل الحقّ ، وكون تعيينه بنصٍّ من الله
ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو عَدَل عن المذهبين وخالف كليهما بجعل الاختيار في ذلك
لستّة أنفار فقط ، وهم عثمان ، وعبد الرحمان ، وسعد بن أبي الوقّاص ، وطلحة ،
والزبير ، ومولى الموالي عليّ ( عليه السلام ) ، ومدحهم أوّلا بقوله : إنّ رسول الله مات ، وهو
راض عن هذه الستّة من قريش ، على ما رواه الشارح المعتزلي ( * ) ثمّ ذمّهم وطعن
هامش
* روى الشارح المعتزلي : أنّه لمّا طعن عمر بيد أبي لؤلؤة ، وعَلم أنّه ميّت ، استشار في من
يولّيه الأمر بعده ، فأُشير عليه بابنه عبد الله ، فقال : لاها الله ، لا يليها رجلان من وَلَد خطّاب ، حسب
عمر ما احتقب ، لاها الله ، لا أتحمّلها حيّاً وميّتاً ، ثمّ قال : إنّ رسول الله مات وهو راض عن هذه
الستّة من قريش : عليّ ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمان بن عوف ، وقد رأيتُ أن
أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم ، ثمّ قال : إن أستخلف فقد استخلف مَن هو خير منّي ( يعني
أبا بكر ) وإن أترُك فقد تَرَك من هو خير منّي ( يعني رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ) ثمّ قال : أُدعُوهم لي ،
فدعوهم ، ودخلوا عليه وهو مُلقىً على فراشه يجود بنفسه ، فنظر إليهم ، وقال : كلّكم يطمعُ في
الخلافة بعدي ، أو قال : قد جائني كلّ واحد منكم يهزّ عفرته يرجو أن يكون خليفة ، أفلا أُخبركم
عن أنفُسِكم ؟ قالوا : قل ، فقال : أمّا أنت يا طلحة ، فإنّي أعرفُك منذ أُصيبت إصبعك يوم أُحد والبأو ،
أي : العُجب والكبر ، الّذي حدث لك ، أفلست القائل : إن قُبض النبيّ لننكحنّ أزواجه من بعده ؟
وقلت فما جعل الله محمّداً أحقّ ببنات عمّنا منّا ، فأنزل الله فيك ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله
ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً ) لقد مات رسول الله ساخطاً عليك . وأمّا أنت يا زبير ، فَوَعِق
لَقِس ، أي : شرس سيّئ الخلق ، ضجر متبرّم ، فوالله ما لان قلبك يوماً ولا ليلا ، وما زِلتَ جلفاً جافّاً
مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، شحيح ، يوماً إنسان ويوماً شيطان ، أفرأيت إن أفضت إليك ، فليت
شعري مَن يكون للناس يومَ تكون شيطاناً ومن يكون يومَ تغضب إماماً ، وما كان لله ليجمع لك
أمر هذه الأُمّة ، وأنت على هذه الصفة .
وأمّا أنت يا عبد الرحمان ، فإنّك رجل عاجز ، تحبّ قومك ، وليس يصلح هذا الأمر لمن فيه
ضعفٌ كضعفك ، وما زُهرة [ 1 ) وهذا الأمر !
وأمّا أنت يا سعد ، فصاحب عصبيّة وفتنة ، وصاحب قَنَص ، أي : الصيد وقوس وأسهم لا تقوم
بقرية لو حملت أمرها ، وما زُهرة والخلافة وأُمور الناس !
وأمّا أنت يا عثمان ، فوالله لدويبة خير منك ، هيهاً إليك ، كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا
الأمر لحُبّها إيّاك ، فحملت بني أُميّة وبني مُعيط على رقاب الناس وآثرتهم بالفيء ، فسارت إليك
عصابة من ذُؤبان العرب ، فذبحوك على فراشك ذبحاً ، والله لئن فعلوا لتفعلنّ ، كرّرها ثلاثاً .
وأمّا أنت يا عليّ ، فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض جميعاً لرجّحتهم ، لله أنت لولا
دعابة فيك ، أما والله لئن ولّيتهم لتحملنّهم على الحقّ الواضح المبين والمحجّة البيضاء ، فقام
عليّ ( عليه السلام ) مولّياً وخرج .
فقال عمر : والله إنّي لأعلم مكان الرجل لو ولّيتموه أمركم حملكم على المحجّة البيضاء .
قالوا من هو ، قال : هذا المولّي من بينكم إن ولّوها الأجلح سلك بكم الطريق . قال له ابنه عبد الله :
فما يمنعك منه ؟ قال : ليس إلى ذلك سبيل ، لا أجمع لبني هاشم بين النبوّة والخلافة ؟ أو قال : أكرهُ
أن أتحمّلها حيّاً وميّتاً .
ثمّ قال : ادعوا لي أبا طلحة الأنصاري ، ولمّا حضر عنده قال له : انظر يا أبا طلحة ، إذا عدتم
من حُفرتي ، فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم ، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر
وتعجيله ، وأجمعهم في بيت ، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم ،
فإن اتّفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه ، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما ، وإن
اتّفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة الّتي فيها عبد الرحمان وارجع إلى ما قد اتّفقت عليه ، فإن
أصرّت الثلاثة الأُخرى على خلافها فاضرب أعناقها ، وإن مضت ثلاثة أيّام ولم يتّفقوا على
أمر فاضرب أعناق الستّة ، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم .
ثمّ لمّا دُفن عمر ، صنع أبو طلحة ما أمره به ، ولمّا اجتمع الستّة وتكلّموا في أمر الخلافة ، قام
طلحة ووهب رأيه لعثمان ، ثمّ قام الزبير ووهب رأيه لعليّ ( عليه السلام ) وخرجا من المجلس ، ثمّ وهب
سعد رأيه لابن عمّه عبد الرحمان وكلاهما من بني زُهرة ، وخلص المجلس للثلاثة ، ثمّ أخرج
عبد الرحمان نفسه من الخلافة على أن يختار أحد الاثنين الباقيين لذلك ، وبدأ بعليّ ( عليه السلام ) وقال له :
أُبايعك على كتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة الشيخين ، فقال ( عليه السلام ) : " بل على كتاب الله وسنّة نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم )
واجتهاد رأيي " فعدل عنه إلى عثمان وعرض عليه ذلك ، فقال : نعم .
ثمّ أعاد الكلام على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ثانياً وثالثاً ، ولم يسمع الجواب إلاّ كأوّل مرّة ، وأعاده
كذلك على عثمان وهو يُنعِم [ 2 ] في الجواب ، فصفق [ 3 ] عبد الرحمان على يده وقال له : السلام
عليك يا أمير المؤمنين ، وتمّ الأمر لعثمان . ولكن فسد الأمر بعد ذلك بينه وبين عبد الرحمان ،
فإنّه كان ينتقد على أفعال عثمان حتّى غضب عليه وأخرجه من عنده ، ونهى الناس عن مجالسته ،
ولم يكلّم أحدهما الآخر حتّى مات عبد الرحمان ، ولم يكن يأتيه مدّة حياته أحد إلاّ ابن عبّاس ،
فإنّه كان يأتيه ويتعلّم منه القرآن والفرائض ، وهذا ملخّص ممّا ذكره المعتزلي وغيره من قصّة
الشورى [ 4 ] .
[ 1 ] انظر المغني ( لقاضي القضاة ) 20 : 21 - 26 القسم الثاني ، الشافي ( للسيّد المرتضى ) 3 : 307 .
[ 1 ] زُهرة : قبيلة سعد بن أبي وقّاص .
[ 2 ] أنعم له : إذا قال مجيباً .
[ 3 ] صفق يده بالبيعة وعلى يده صفقاً ، أي : ضرب بيده على يده .
[ 4 ] شرح نهج البلاغة 1 : 185 .