شرح
عن الرجوع إلى من يفهمها ، ويستنبط منها الحاقّ من مطالبها ومعانيها ، وكيفيّة
استعمال الأدوية المذكورة فيها ، كما قال تعالى : ( ولو رَدّوه إلى الرسول وإلى أُولي
الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم ) ( 1 ) . وأنّ الكتاب الحقيقي هو صدور أهل
العلم والضمائر ، لا خطوط الصحائف وبطون الدفاتر ، كما قال تعالى : ( بل هو
آيات بيّنات في صدور الّذين أُوتوا العلم ) ( 2 ) وقد قال عليّ كرّم الله وجهه : " هذا
كتاب الله الصامت ، وأنا كتاب الله الناطق . . . الخ " ( 3 ) .
هذا . مع أنّ كتاب الله لا تزيد آيات أحكامه على خمسمائة ، وأين ذلك من
عشرات الأُلوف بل مئات الأُلوف منها ، الّتي لم تستنبط إلاّ من أحاديث النبيّ
وأهل بيته انتهى .
ثانيها : إيجاب بيعة صاحبه أبي بكر على جميع الخلق ، ومخاصمته على ذلك
من غير إيجاب ذلك من الله تعالى ولا رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا أمر منهما ، أفهل كان هو
أعلم بمصالح العباد منهما ؟ أو أنّ الأُمّة بأسرها فوّضوا أمرهم إليه ، وحكّموه على
أنفسهم ؟ وكيف جاز له قصد بيت النبوّة وذرّيّة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بإحراقه بالنار ؟ وهم
ودائعه وقُرناء كتابه ، مع أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يوجب على اليهود والنصارى
والمجوس وسائر فرق الكفّار مبايعته ، ولم يقصد عقابهم على تركها بالإحراق
بالنار ، واكتفى منهم بأداء الجزية ، مع كون البيعة له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من أُصول الدين اتّفاقاً
من الفريقين ، وليست الإمامة وبيعة أبي بكر لدى القوم من أُصول العقائد ، ولا من
أركان الدين ، بل هي عندهم ممّا يتعلّق بمصالح العباد في أُمور الدنيا ، فكيف
يستوجب الممتنع عن الدخول فيها للحرق والعقاب الشديد ؟ ثمّ كيف اختصّ
استحقاق ذلك ببيت الوحي ومعدن الرسالة والتنزيل ، ولم يقصد لذلك بيوت سائر
الممتنعين ؟ وهم وجوه الصحابة ، كسلمان وأبي ذرّ والمقداد ، وأمير الشيخين أُسامة
هامش
( 1 ) النساء : 83 .
( 2 ) العنكبوت : 49 .
( 3 ) وسائل الشيعة ( الحرّ العاملي ) 27 : 34 كتاب القضاء باب تحريم الحكم بغير الكتاب
والسنّة ، العمدة ( ابن البطريق ) : 330 / 550 .