كم بثّ في أُصول هذا الدين * من البيان الساطع المبين
يدخل في الأُذن ولم يستأذن * ويملك القلب بغير ثمن
شرح
ودفع شبهات الفَسَقَة المنافقين ، وكذا سائر بياناته البليغة وخُطبه الشريفة ودُرره
المنثورة ، فإنّها كرامة خالدة ، بل معجزة باقية أبد الدهر ، تُنبئ عن سموّ مقامه وعُلوّ
شأنه ، وقصور غيره عن اللحوق به .
فانظر بعين الحقيقة ، وراجع كتُب الأحاديث والتواريخ : تجد أنّه ( عليه السلام ) « كم
بثّ » ونشر من الأحكام والقضايا « في أُصول هذا الدين » واستحكام أساسه
أصلا وفرعاً « من البيان الساطع المبين » الواضح لدى العقل والعقلاء ؟
وكم أوضح من تأويل الآيات ، ودفع الشبهات ، وفصل الخصومات ، وبيان
المعضلات ما « يدخل في الأُذن » بكلّ سهولة وسُرعة ؟ « ولم يستأذن » في دخوله
فيه . وذلك لعدم الحاجة في إدراك كلامه وفهم المعنى منه إلى مزيد تفكّر أو كثير
تروٍّ ، حيث إنّ بيانه ( عليه السلام ) كان حقّاً وصواباً ، وقد قال الصادق ( عليه السلام ) : " إنّ لكلّ حقٍّ
حقيقة ، وعلى كلّ صواب نور " ( 1 ) ومعنى ذلك : أنّ الحقّ يهتدي إليه سريعاً بغير
كُلفة ، وأنّ ذلك الوليّ المطلق ( عليه السلام ) لقوّة سلطته على البيان ، وعلمه باستعداد كلّ
مخاطب ، ومقدار إدراكهم وأفهامهم ، كان يلقي المطالب الدقيقة العالية على ما
كانت عليه من السموّ والرفعة إلى فهم السامع على قدر استعداده ذكاءً وغباوةً
بأوضح بيان ، وأبلغ خطاب يستقرّ في الذهن . « ويملك القلب بغير ثَمَن » كالمملوك
بالغلبة لا بالشراء ، فيخضع له بالقبول واندفاع الشكوك عنه خضوعَ العبد المملوك
لسيّده ، وأنّ قوّة السلطة على البيان بالمعنى المذكور كمالٌ فوق الكمال ، وهو الّذي
سأله الكليم موسى ( عليه السلام ) بقوله : ( واحلل عقدة من لساني ) ( 2 ) فإنّه ( عليه السلام ) - على ما
ذكره بعض الأكابر - سأل ربّه المقدرة على تقريب المعاني العالية الدقيقة إلى
هامش
( 1 ) الغيبة ( النعماني ) : 141 / 2 ، بحار الأنوار 51 : 112 .
( 2 ) طه : 27 .