أليس في المبيت باهى الله * به وهل باهى بمن سواه
حماه في البيان والشجاعة * ولم يطاول سيفه يراعه
شرح
دعوته ولا يلبّون نداءه وصرخته ولا يرحمون وحدته ، فما كان يشاهد حول
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلاّ ذاك الوليّ المطلق والوصيّ بالحقّ ( عليه السلام ) مع نفر يسير من بني
هاشم ( 1 ) وبذلك باهى الله تعالى به ( عليه السلام ) ملائكته ، كما باهاهم بمفاداته ( عليه السلام )
للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليلة هجرته ( 2 ) .
« أليس في المبيت » في فراشه تلك الليلة « باهى الله » تعالى سكّان سماواته
« به » ؟ إذ جاد بنفسه المقدّسة لنفس النبيّ الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على ما اتّفق عليه
الفريقان . والجود بالنفس أقصى غاية الجود . « وهل باهى بمن سواه » من الأوّلين
والآخرين بشيء من أفعالهم ومكارمهم ، كلاّ ثمّ كلاّ !
وعليه ، فهو ( عليه السلام ) بعد النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفضل من جميع الأوّلين والآخرين ،
فإنّه لا شرف للعبد ، ولا منقبة له أعلى من مباهاة الله تعالى وافتخاره به ، فإنّ ذلك
فضل ومنقبة لا يضاهيه شيء ، كما أنّ الجود بالنفس والحماية بالمهجة لا يضاهيه
جود ولا كرم . وإنّه ( عليه السلام ) قد فادى بنفسه المقدّسة لنفس النبيّ الكريم ( صلى الله عليه وآله ) كما عرفت .
و « حماه في البيان » بلسانه الشريف ومنطقه العذب كما حماه بالسيف
« والشجاعة » الّتي بها أسّس الملّة الحنيفيّة ، وبها أقام لواء الشريعة النبويّة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
« ولم يطاول سيفه يراعه » أي : ولم يكن يفاخر سيفه الماضي قلمه وبيانه ، فإنّ
السيف على عُلوّ شأنه وعظمة آثاره لم يكن معجزةٌ خالدة ، ولا حجّة باقية مفحمة
للخصوم في الأعصار المستقبلة . وذلك بخلاف ما برز من عُلومه الكاملة ، وبراهينه
الساطعة ، وحججه القويّة لإثبات أحكام الدين ، ودحض كلمة الكفّار والملحدين ،
هامش
( 1 ) انظر شرح أُصول الكافي ( المازندراني ) 12 : 49 ، شرح نهج البلاغة ( ابن أبي الحديد ) 10 : 182 .
( 2 ) انظر تفسير الثعلبي 2 : 126 ، العمدة ( لابن البطريق ) : 240 / 367 ، أُسد الغابة ( لابن الأثير )
4 : 98 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 39 .